آخر تحديث :السبت-24 يناير 2026-02:23م

خطاب ترامب في دافوس: حين تُدار السياسة بمنطق الصفقة والقوة وتغيب القيم

الجمعة - 23 يناير 2026 - الساعة 10:58 م
د.فائزة عبدالرقيب سلام

بقلم: د.فائزة عبدالرقيب سلام
- ارشيف الكاتب



لم يكن خطاب دونالد ترامب امام المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس مجرد مشاركة اقتصادية، بل إعلانا صريحا لفلسفته السياسية: القوة، الصفقة، النفوذ الاقتصادي، وتوظيف الفرص التكنولوجية. ترامب لا يرى المنصات الدولية ساحات نقاش نظري بل ادوات لإعادة تعريف موازين القوة وفق المصلحة الأميركية دون اعتبار واضح للقيم الأخلاقية التي يفترض أن ترافق قيادة دولة عظمى.


الخطاب جاء خاليا من اي بعد اخلاقي، إذ حول السيادة والتحالفات والموارد الاستراتيجية الى ادوات تفاوضية. حديثه المتكرر عن غرينلاند لم يكن عن الثروات بل عن موقع استراتيجي يضمن الأمن القومي الأميركي ويعيد رسم النفوذ في القطب الشمالي. وإصراره على أنها “قطعة جليد” لا يخفي جوهر الفكرة: المكان اهم من الثروة، والوجود اهم من الأرباح. وحين اكد أنه لن يستخدم القوة العسكرية ولن يسيطر على غرينلاند، استبدل السلاح بالضغط السياسي والاقتصادي، واعتبر الحماية الأميركية امتيازا مشروطا.


وضع ترامب حلف الناتو امام معادلة صريحة: الحماية ليست مجانية. فقد اوضح أن الولايات المتحدة دفعت فاتورة التحالف لعقود، والمح الى مطالبتهم بالموافقة على فكرة غرينلاند كامتداد لمصلحة اميركا، مؤكدا أن الوقت حان لدفع الآخرين الثمن او مواجهة إعادة تموضع اميركية صارمة. وهكذا تتحول التحالفات من شراكات قائمة على القيم والمصالح المشتركة الى عقود مصالح قابلة للمراجعة والابتزاز السياسي.


في ملف اوكرانيا وروسيا، قدم ترامب نفسه وسيطا للصفقات الكبرى، لا راعيا للمبادئ او للقواعد الدولية. فالحرب في نظره، ليست مأساة إنسانية بقدر ما هي فرصة لإدارة النفوذ وفرض التسويات وفق الإرادة الأميركية. وهنا تصبح الرسالة واضحة: السلام لا يتحقق عبر المؤسسات الدولية، بل عبر القوة القادرة على فرض الصفقة.


اقتصاديا، شدد ترامب على نهجه الصدامي: رفع الضرائب على الدول التي اعتبرها مستغلة للسوق الأميركية، والضغط لخفض أسعار الأدوية، وإعادة الصناعات وشركات السيارات الى الداخل، وتحويل الإنفاق العسكري الى محرك للنمو، وتحويل سوق السلاح الى أداة اقتصادية. حتى العملات المشفرة والذكاء الاصطناعي لم يخرجا عن هذا المنطق؛ فالتفوق التكنولوجي بالنسبة له اداة سيطرة، لا وسيلة للتقدم او الرفاه الإنساني.


وفي الداخل، ربط ترامب الأمن بالسياسة الخارجية، مهاجما سياسات الهجرة في عهد بايدن، واصفا قيادته الداخلية بالضمان لهيبة اميركا في الخارج.


اختتم ترامب خطابه بعبارة مكثفة: "اميركا تعود اقوى من اي وقت مضى". ولم تكن هذه الجملة مجرد استعراض وتباه، بل إعلان عن نموذج عالمي يرى في القوة والسيطرة معيارا، وفي الصفقة أداة أساسية، وفي القيم ترفا يمكن تأجيله. وكانت رسالته للعالم واضحة: الحلفاء مطالبون بالالتزام والدفع مقابل الحماية، والخصوم بالاحترام، ومن يراهن على تراجع اميركا يخطئ التقدير، والعالم كله امام مرحلة جديدة تُدار بشروط القوة الأميركية، لا القيم.