آخر تحديث :الأربعاء-01 أبريل 2026-12:19ص

قضية شعب الجنوب

الأربعاء - 07 يناير 2026 - الساعة 06:33 م
صلاح البندق

بقلم: صلاح البندق
- ارشيف الكاتب


ليست قضية شعب الجنوب شعاراً عابراً، ولا نزوة لحظةٍ سياسية، بل جذور ضاربة في أعماق الملايين؛ سكنت الذاكرة كما تسكن الجراح القديمة الجسد، لا تُرى دائماً لكنها لا تندمل. ومن يظن أن الضغط، أو العنف، أو الالتفافات السياسية، أو شراء الذمم قادرٌ على اقتلاع هذه الجذور، إنما يخاصم التاريخ ويجادل سنن الأشياء.


لقد جُرِّبت كل الأدوات الخاطئة: القهر حيناً، والتخويف حيناً، والمساومات حيناً آخر. لكن النتيجة كانت واحدة : القضية لم تنكسر. لأن ما كان حقّاً لا يُمحى بالقوة، وما كان عدلاً لا يُطفأ بالضجيج. إن الظلم، مهما طال أمده، لا يصنع شرعية، بل يراكم وعياً، والوعي حين يكتمل يصبح قوة لا تُهزم.


قضية الجنوب ليست حكاية نخبة، ولا خطاب منصة، بل نبض شارع؛ في صوت الأم التي ودّعت أبناءها على أبواب المعاناة، وفي صبر العامل الذي يرى خيرات أرضه تُدار بغير إرادته، وفي وجع الطالب الذي تعلّم أن الهوية ليست بطاقة، بل كرامة. هذه المظلومية لم تُخلق لتستجدي التعاطف، بل لتُذكّر بأن الحقوق تُستعاد حين يُصان معناها.


والمنطق، قبل العاطفة، يقول: إن أي حلٍّ يتجاهل جذور المأساة إنما يؤجل الانفجار. السياسة التي تتعامل مع الشعوب كأرقام، ومع الأوطان كغنائم، هي سياسة قصيرة النفس، سرعان ما تنهار تحت ثقل الحقيقة. فالدول تُبنى على الرضا العام، لا على القهر، وعلى العقد العادل، لا على الإملاء. ومن هنا، فإن محاولات الالتفاف—مهما تزيّنت بالألفاظ—تبقى هروبًا من مواجهة الحقيقة.


أما البلاغة، فليست زخرف القول، بل دقّة المعنى. ومعناها هنا واضح: لا يصح إلا الصحيح. لا تُشترى القناعات بالمال، ولا تُغيَّر القلوب بالتهديد. قد تُسكت الأصوات زمنًا، لكن الصمت ليس قبولاً، وقد تُربك الصفوف لحظة، لكن الذاكرة الجمعية لا تُخدع.

إن الشعوب قد تتعب،

لكنها لا تنسى.


وفي الموعظة عبرة :

إن التاريخ لا يرحم من يراكم الأخطاء ثم يطلب النسيان. ومن ظنّ أن الزمن كفيل بإطفاء المظلومية، فليقرأ صفحات الأمم التي تجاهلت أن العدل أساس الاستقرار. لقد علّمنا التاريخ أن الحق إذا طال صبره اشتد عوده، وأن الكرامة حين تُهان تبحث عن طريقها لتقوم.


إن قضية الجنوب اليوم ليست اختبار قوة، بل اختبار حكمة: حكمة الاعتراف، وشجاعة التصحيح، ونزاهة الحلول. فإما مسار يعيد الاعتبار لإرادة الناس ويصون كرامتهم، وإما دوران في حلقة مفرغة تُبدّد الوقت وتعمّق الجراح. والوقت—كما نعلم—ليس محايداً؛ إنه ينحاز دائماً للحقيقة في النهاية.


ختاماً، ليست هذه الكلمات دعوة خصومة، بل نداء ضمير. فالعدل ليس تنازلاً، بل استثمار في السلام، والاعتراف ليس ضعفاً، بل بداية القوة. وقضية شعب الجنوب، المتجذّرة في القلوب، ستظل حاضرة ما دام الظلم قائماً، وستجد طريقها ما دام في الناس إيمان بأن الحق لا يموت، وأن الصحيح وحده هو الذي يصح.