التحول المفاجئ للولايات المتحدة الأمريكية في دعم اقتصاد المناطق المحررة (الجنوب) لم يأتِ من فراغ، فالأمريكان غير معنيين ولا مبالين بالحالة الاقتصادية الصعبة التي يعيشها أبناء شعبنا الجنوبي الصامد، وغير مكترثين بالمعاناة المعيشية والإنسانية التي واجهها ولا يزال يواجهها أبناء الجنوب والمناطق المحررة من ميليشيا الحوثي. فهذا بالنسبة لهم لا يعنيهم لا من قريب ولا من بعيد.
في الآونة الأخيرة قام المجلس الانتقالي الجنوبي بعدة خطوات في الداخل والخارج أثبت من خلالها أن الجنوب رقم صعب في المعادلة السياسية اليمنية بشكل عام، من خلال مشروعه السياسي المتمثل في سعيه لاستعادة دولة الجنوب.
ومن هذه الخطوات:
1- إعلان الحرب على الإرهاب من خلال عمليات عسكرية وحملات نوعية واسعة في مناطق أبين وشبوة قادتها القوات العسكرية والأمنية الجنوبية، وقد حققت تلك الحملات نجاحات وانتصارات نوعية عجزت عن القيام بها قوات ما تسمى الشرعية اليمنية. وقبل ذلك خاض المجلس معارك ضد ميليشيا الحوثي مسطراً انتصارات واسعة في مختلف الجبهات، رغم شحة الإمكانيات مقارنة بجيش الشرعية في الشمال الذي يمتلك قدرات عسكرية كبيرة لكنه لم يحقق أي انتصار يذكر. وبهذا العمل العسكري أثبت المجلس الانتقالي أنه شريك دولي فاعل في الحرب على الإرهاب.
2- صدور الميثاق الوطني الجنوبي الذي وقعت عليه جميع القوى السياسية المؤمنة بالتحرير والاستقلال، ما شكّل حالة من الإجماع الوطني على قيادة المجلس للمرحلة القادمة وتمسكهم به كممثل وحيد لأبناء الجنوب برئاسة القائد عيدروس قاسم الزبيدي. كما افتتح المجلس مكاتب تمثيل خارجية في عدد من الدول، وكسب سمعة داخلية وخارجية وثقة الأطراف الدولية باعتباره كياناً جامعاً يحظى بدعم شعبي، إضافة إلى حضوره في مؤتمرات ومنتديات دولية كشريك إقليمي مؤثر في أمن البحر الأحمر وباب المندب في مواجهة تهديدات الحوثي للملاحة الدولية خدمة لأجندة إيران.
بهذه البراغماتية التي انتهجها المجلس الانتقالي في التعاطي مع الأحداث، أدرك الأمريكيون أهمية الدور الإقليمي للجنوب والمجلس الانتقالي الحامل السياسي لقضيته، ما جعل استعادة دولة الجنوب ضرورة ملحة تقتضيها المصلحة الدولية.
3- الحديث بلغة المصالح: فقد تحدث المجلس مع المجتمع الدولي بلغة المصالح والمظلومية معاً، وهي اللغة التي يبحث عنها الغرب عموماً والولايات المتحدة خصوصاً. فالمجتمع الدولي ليس جمعية خيرية لرعاية مصالح الشعوب، بل يهتم فقط بمصالحه. أما قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان وحق تقرير المصير فهي شعارات تُرفع عند الحاجة. وقد أدركت قيادة الانتقالي هذه الحقيقة، فركزت على ما يملكه الجنوب من ثروات طبيعية وقطاعات واعدة للاستثمار، مقدمة بذلك عرضاً مغرياً للشركات الدولية الكبرى لدعم قضية الجنوب.
هذه أبرز الخطوات التي اتبعها الانتقالي وقيادته في الفترة الماضية. وهناك ما هو أهم، وهو أن استقرار سعر الصرف في الجنوب والمناطق المحررة سيضرب اقتصاد الميليشيا الحوثية التي استفادت طويلاً من المضاربة بالعملة، وأدارت شبكات غسيل أموال وكونت اقتصاداً موازياً. وقد ظل ذلك عاملاً مساعداً على استمرار مشروعها التدميري. ولطالما حذّر الانتقالي من هذه المعادلة غير المنطقية، مؤكداً أن الحرب ضد الحوثي لن تحقق أهدافها في ظل إنهاك الجنوب بحرب الخدمات وانهيار العملة.
من هنا جاء التدخل الأمريكي وبعض القوى الإقليمية لانتشال الوضع الاقتصادي ودعم البنك المركزي للقيام بدوره في ضبط سوق الصرف، وتشكيل جبهة اقتصادية قوية تجعل الجنوب قادراً على لعب أدوار مصيرية قادمة، في ظل فشل الشرعية في مواجهة مشروع الحوثي.
إن دور المجلس الانتقالي وقيادته في السعي لتطبيع الأوضاع الاقتصادية في الجنوب ومناطق الشرعية أصبح واقعاً لا يمكن إنكاره، وهو ما يؤكد أن براغماتية الانتقالي بدأت تؤتي أُكلها.
سالم سمن