في وقت تتطلع فيه محافظة عدن إلى نهضة اقتصادية وتنموية شاملة، ظل قطاع التعليم الفني والتدريب المهني يواجه تحديات متراكمة، تتراوح بين تراجع البنية التحتية واتساع الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل. ومع ذلك، فإن بناء اقتصاد حقيقي لا يقوم على الشهادات النظرية وحدها، بل يرتكز أساسًا على الأيدي العاملة الماهرة، والتقني المحترف، والحرفي المتقن.
ومع تزايد الحاجة إلى كوادر مؤهلة في مجالات الكهرباء والميكانيكا والتبريد والتكييف والتقنيات البحرية والبرمجيات، يبرز تساؤل مهم: هل ينجح قطاع التعليم الفني في عدن في استعادة دوره التنموي ومكانته في إعداد الكفاءات المهنية؟
وفي هذا السياق، زار موفد صحيفة عدن الغد الإدارة العامة لمكتب التعليم الفني والتدريب المهني بمحافظة عدن، والتقى قيادة المكتب وعددًا من المسؤولين فيه، للوقوف على ملامح الحراك المؤسسي الذي يقوده المدير العام الأستاذ عبدالرحيم عبدالكريم الجاوي خلال الأشهر الثلاثة الماضية، واستعراض أبرز التحركات والإنجازات والتحديات القائمة، من خلال هذا الاستطلاع.
أولًا: التعليم الفني ودوره في التنمية الاقتصادية
س1: بعد سنوات من التراجع والتحديات، ما أهمية إعادة الاعتبار للتعليم الفني والتدريب المهني في العاصمة عدن؟
أ. عبدالرحيم الجاوي:
يمثل التعليم الفني والتدريب المهني ركيزة أساسية في بناء الاقتصاد المحلي؛ لأنه يرتبط مباشرة بإعداد الكفاءات التي تحتاج إليها قطاعات العمل والإنتاج والخدمات.
فعدن، بما تمتلكه من نشاط تجاري وموقع بحري ومؤسسات خدمية، تحتاج إلى كوادر تمتلك مهارات عملية مواكبة للتطورات. وهدفنا تحويل المعهد إلى مؤسسة منتجة للمهارة، يجمع فيها الطالب بين المعرفة النظرية والخبرة التطبيقية، ليتمكن من دخول سوق العمل بثقة وكفاءة .
س2: ما أبرز ملامح العمل خلال الأشهر الثلاثة الأولى من قيادتكم للمكتب؟
أ. عبدالرحيم الجاوي:
ركزت تحركاتنا على مسارات متكاملة تشمل المتابعة الميدانية المباشرة للمعاهد، وتقييم الأداء الإداري والتعليمي، ومتابعة الاختبارات، والاستعداد للعام الدراسي الجديد، إلى جانب الاهتمام بمشاريع التخرج والشراكات التنموية.
وشملت زياراتنا الميدانية المعهد الوطني للتقنيين والمدربين بدارسعد، والمعهد التقني الصناعي بالمعلا، والمعهد المهني الصناعي بالمنصورة، ومعهد تدريب المهن بفقم، والمعهد التقني البحري.
ونعمل على الانتقال من الإجراءات اليومية المشتتة إلى بناء منظومة عمل متكاملة تُقيّم وتُطوّر باستمرار .
س3: ما الذي تضيفه الزيارات الميدانية المستمرة مقارنة بالاعتماد على التقارير المكتبية؟
أ. عبدالرحيم الجاوي:
تمنحنا الزيارات الميدانية رؤية مباشرة لواقع العملية التدريبية، ومستوى الانضباط، وجاهزية الورش والمختبرات، كما تتيح لنا الاستماع إلى الطلاب والمدربين بصورة مباشرة.
إنها تختصر المسافات في معالجة المشكلات بدقة، وتساعد على توجيه الموارد نحو الاحتياجات الفعلية للمعاهد، بعيدًا عن أطر العمل الروتينية .
ثانيًا: انتظام العملية التعليمية وتحفيز الطلاب
س4: كيف جرى التعامل مع ملف الاختبارات وتدشين العام الدراسي الجديد 2026–2027م؟
أ. عبدالرحيم الجاوي:
حرصنا على متابعة الاختبارات النهائية بدقة، ومع انطلاق العام الدراسي الجديد، دشنا الدراسة من المعهد المهني الصناعي بالمنصورة، بالتزامن مع إطلاق لجان متابعة ميدانية لضمان الانضباط منذ اليوم الأول.
كما أطلقنا مبادرة طالب القدوة لتشجيع النماذج الطلابية الملتزمة، حيث جرى تكريم الطالب أديب حسين محمد حسين، من تخصص التكييف والتبريد، بهدف ترسيخ ثقافة التنافس الإيجابي والتميز السلوكي والمهني.
س5: تعكس مشاريع التخرج قدرات الطلاب الحقيقية.. ماذا قدمت المعاهد في هذا السياق؟
أ. سهاد قاسم – مديرة إدارة التفتيش والجودة:
شهدت المعاهد مناقشة وعرض مشاريع متنوعة في مجالات الإلكترونيات والبرمجة والكهرباء والميكانيكا والتصميم والجرافيك، وصولًا إلى مشاريع الطاقة المستدامة، مثل مشروع تتبع نقطة القدرة القصوى للألواح الشمسية (MPPT).
وقد برز المعهد التقني الصناعي بالمعلا في المجالات الرقمية والإبداعية، فيما قدم المعهد الوطني بدارسعد نماذج نوعية في الطاقة المستدامة.
وهذا يتطلب منا اليوم تطوير آليات عرض هذه المشاريع وربطها بفرص الاحتضان والإنتاج.
س6: تجاوز عدد المتقدمين ألف طالب وطالبة.. ماذا يعكس هذا الإقبال، وكيف تعاملتم معه؟
أ. عبدالرحيم الجاوي:
يعكس تسجيل أكثر من ألف متقدم ومتقدمة للعام الدراسي الجديد وعيًا مجتمعيًا متناميًا بأهمية التعليم الفني.
وقد رافق هذا الإقبال تنفيذ حملة إعلامية مركزة لإبراز الفرص المتاحة أمام الشباب والفتيات في التخصصات المختلفة.
ويضع هذا الإقبال على عاتقنا مسؤولية مضاعفة لتنظيم القبول، ومراعاة الطاقة الاستيعابية، ورفع جودة المخرجات؛ فالعبرة ليست بكثرة الأرقام، بل بكفاءة الطالب وجاهزيته لسوق العمل.
ثالثًا: تحديث التخصصات ومواءمة مخرجات التعليم مع سوق العمل
س7: إلى أي مدى تتوافق التخصصات الحالية مع احتياجات سوق العمل المتغيرة في عدن؟
أ. عبدالله بدية – مدير إدارة سوق العمل:
تُعد مواءمة التخصصات مع احتياجات سوق العمل بوصلتنا الأساسية. وتضم خياراتنا الحالية التمديدات الكهربائية، وكهرباء وميكانيكا السيارات، والتبريد والتكييف، والتخصصات البحرية، والجرافيك، والأمن السيبراني، والبرمجة.
وقد استحدثنا تخصص السيارات الحديثة في المعهد الوطني لمواكبة انتشار المركبات الكهربائية والإلكترونية، إلى جانب تخصص التبريد والتكييف في معهد خورمكسر لخريجي الصف التاسع.
وطموحنا بناء مرصد دائم لرصد المهن المطلوبة وتحديث المناهج بناءً على احتياجات سوق العمل.
رابعًا: الشراكات التنموية والتمكين المهني
س8: ما الدور الذي تؤديه الشراكات الاستراتيجية مع صندوق تنمية المهارات والقطاع الخاص؟
أ. عبدالرحيم الجاوي:
لا يمكن للتعليم الفني أن يتطور بمعزل عن شركاء التنمية.
لقد عقدنا لقاءات مثمرة مع قيادة صندوق تنمية المهارات، ممثلة بالأستاذ عصام قاسم والأستاذة فطوم الأهدل، لتنسيق برامج التأهيل، كما بحثنا مع مكتب التخطيط والتعاون الدولي مشاريع البرنامج الاستثماري.
وشملت تحركاتنا أيضًا شراكات نوعية مع القطاع الخاص، من بينها مؤسسة الشهاب تك ، إلى جانب مناقشة تأسيس حاضنة أعمال بالتنسيق مع مكتب الشؤون الاجتماعية والعمل، بهدف الانتقال من مجرد التفاهمات إلى خطط تنفيذية مستدامة.
س9: هل يتحول التدريب المهني إلى فرصة دخل فعلية بدل الاكتفاء بالشهادة؟
أ. منية محمد عبدالعزيز – مديرة إدارة التخطيط:
هذا هو جوهر غايتنا. ومن أبرز النماذج في هذا المجال برنامج تعزيز سبل العيش للشباب بالمعهد المهني بخورمكسر، الممول من الاتحاد الأوروبي واليونسكو، والمنفذ عبر الصندوق الاجتماعي للتنمية.
وقد تابع المدير العام بنفسه عملية توزيع الحقائب والأدوات المهنية على مئة متدرب ومتدربة، بهدف تمكينهم فعليًا من بدء مشاريعهم الخاصة.
ونحن مستمرون في متابعة هذه التدخلات وتقييم أثرها ميدانيًا.
س10: كيف يتعامل المكتب مع تدريب وتأهيل الفتيات وتوسيع مشاركتهن الاقتصادية؟
أ. عفراء العيدروس – مديرة إدارة تعليم وتدريب الفتاة:
الفتيات شريك أساسي في التنمية. وتتوفر لدينا برامج في المحاسبة، وإدارة المكاتب، والتصميم والجرافيك، فضلًا عن افتتاح قسم الخياطة والتفصيل بالمعهد المهني في المنصورة، بدعم من مؤسسة رحمة حول العالم.
وهدفنا تجاوز توفير المقاعد التدريبية إلى تأهيل الفتيات بالأدوات اللازمة، ودمجهن في الأسواق المحلية، بما يعزز استقلالهن المالي.
س11: ما أهمية الدورات القصيرة والتدريب المستمر الذي ينظمه المكتب؟
أ. بلال فرج – مدير إدارة المناهج والتعليم المستمر:
لا يتوقف التعلم المهني عند التخرج. وقد نظمنا دورات تخصصية متقدمة، من بينها دورة المحاسبة باستخدام برنامج الأونكس برو في المعهد الفني التجاري بخورمكسر.
وتمنح هذه الدورات الخريجين والعاملين فرصة حقيقية لصقل مهاراتهم ومواكبة المتطلبات التقنية الحديثة للشركات والمؤسسات.
خامسًا: تطوير الأداء الإداري ورفع كفاءة الكوادر
س12: لماذا حرصتم على تعميم ثقافة التحفيز للموظفين والمدربين والطلاب؟
أ. عبدالرحيم الجاوي:
النجاح ثمرة تكامل الجهود بين الإدارة والمدربين والموظفين والطلاب. ولهذا حرصنا على تكريم الكفاءات المتميزة ميدانيًا، مثل تكريم الأستاذ سند عبيد والأستاذ تمام عبدالله، من تخصص كهرباء السيارات بالمنصورة، واختيار الأستاذ أيمن بجاش موظفًا مثاليًا بالمعهد الوطني بدارسعد.
فالتحفيز لدينا ليس مناسبة شكلية، بل أداة أساسية لإرساء ثقافة العمل الجاد والإنجاز.
سادسًا: التحديات والاحتياجات المستقبلية
س13: ما أبرز التحديات والاحتياجات التنموية الملحة لمعاهد عدن؟
أ. عبدالرحيم الجاوي:
رغم حجم الإنجاز، فإن التحديات لا تزال قائمة، وتتلخص في ضرورة تحديث الورش والمختبرات، وتوفير الأجهزة والمعدات الحديثة، ورفع كفاءة الكادر التدريبي.
ونعمل حثيثًا على متابعة استكمال ترميم مختبرات المعهد التجاري، وبحث تدخلات نوعية في المعهد البحري عبر مؤسسة رنين!.
إن التطوير الناجح يتطلب ترتيب الأولويات وتوفير بيئة تدريبية تحاكي الواقع المهني بدقة.
س14: ما الدور الذي يؤديه الإعلام الفني في تغيير الصورة النمطية عن التعليم المهني؟
أ. فواز الحيدري – مدير إدارة العلاقات العامة والإعلام بمكتب الوزارة:
يقع على الإعلام دور محوري في تغيير النظرة القاصرة إلى التعليم الفني واعتباره خيارًا ثانويًا.
وقد أطلقنا سلسلة من التقارير والحملات الإعلامية المتكاملة للتعريف بالتخصصات ومشاريع التخرج، أبرزها نافذة تخصص اليوم ، فضلًا عن التعاون المثمر مع مؤسسة عدن الغد لإطلاق حملة مجانية لدعم التعليم المهني.
فالإعلام الفاعل لا ينقل الخبر فحسب، بل يسهم في صناعة وعي مجتمعي بقيمة المهارة والإنتاج.
سابعًا: معايير النجاح في المرحلة المقبلة
س15: بعد هذا الحراك المكثف، كيف يمكن تقييم نجاح المرحلة المقبلة؟
أ. عبدالرحيم الجاوي:
المعيار الحقيقي لنجاحنا لا يُقاس بعدد الاجتماعات والزيارات، بل بمدى تحسن جودة المخرجات، وانتظام العملية التعليمية، وجاهزية الورش، وحجم الخريجين الذين تمكنوا من الانتقال إلى سوق العمل بفاعلية أو تأسيس مشاريعهم الناشئة.
إن قيادة المكتب ماضية في ترسيخ هذا الحراك المؤسسي، بشراكة تامة مع إدارات المعاهد والقطاع الخاص، ليبقى التعليم الفني قاطرة حقيقية للنهوض التنموي في عاصمتنا عدن.
خلاصة الاستطلاع:
نحو أفق تنموي جديد في عدن
يعكس الحراك المؤسسي الذي يقوده الأستاذ عبدالرحيم عبدالكريم الجاوي في مكتب التعليم الفني والتدريب المهني بالعاصمة عدن، خلال الأشهر الثلاثة الماضية، توجهًا نحو تعزيز المتابعة الميدانية، وتطوير الأداء الإداري والتعليمي، وتوسيع الشراكات، وربط التدريب باحتياجات سوق العمل.
ومع تجاوز عدد المتقدمين حاجز الألف للعام الدراسي الجديد، تبرز أهمية التعليم الفني بوصفه مسارًا مهنيًا قادرًا على توفير فرص أوسع أمام الشباب والفتيات، وإعداد كوادر مؤهلة تسهم في تنشيط القطاعات الإنتاجية والخدمية.
غير أن استعادة القطاع لدوره التنموي الكامل تظل مرتبطة باستمرار الجهود، وتوفير الدعم اللازم للبنية التحتية والورش والمختبرات، وتحديث المعدات والتخصصات، وتعزيز الشراكات مع القطاع الخاص والجهات الداعمة.
فامتلاك عدن طاقات شبابية مؤهلة وفنيين مهرة لا يفتح أبوابًا للتوظيف فحسب، بل يهيئ أيضًا لبناء اقتصاد قائم على الإنتاج والمهارة والاعتماد على الذات.









