آخر تحديث :السبت-24 أكتوبر 2026-02:06م
أخبار وتقارير

الحوثي بين ثبات الخريطة ونزيف القوة.. خسائر الجبهات تفتح سؤال القدرة على البقاء

السبت - 24 أكتوبر 2026 - 01:30 م بتوقيت عدن
الحوثي بين ثبات الخريطة ونزيف القوة.. خسائر الجبهات تفتح سؤال القدرة على البقاء
المصدر: صحيفة عدن الغد – خاص

لا تكشف خرائط السيطرة كل ما يجري في الحروب. فقد تحتفظ قوة مسلحة بمواقعها، وتواصل الهجوم وإطلاق الصواريخ، بينما تتراجع قدرتها على تعويض الخسائر والمحافظة على كفاءة وحداتها. ولهذا فإن قراءة وضع ميليشيا الحوثي تحتاج إلى تجاوز السؤال عن الأراضي التي تسيطر عليها، إلى سؤال أكثر أهمية: ما الكلفة التي تدفعها للاحتفاظ بها، وإلى متى تستطيع تحملها؟


وتمنح البيانات العسكرية الأخيرة الصادرة عن جبهات تعز ولحج وكهبوب هذا السؤال وزنًا متزايدًا. فالإعلانات عن صد هجمات وتدمير آليات وسقوط قتلى وجرحى تشير، وفق رواية القوات المسلحة والتشكيلات المشاركة في المواجهات، إلى ضغط متواصل على القوة البشرية والمادية للميليشيا. لكن الدلالة الأهم لا تتوقف عند عدد الخسائر في معركة واحدة، بل عند تراكمها ومدى القدرة على تعويضها.


كهبوب.. هجمات تتكرر وكلفة تتراكم


في أحدث الوقائع، أعلنت قوات العمالقة الجنوبية، الجمعة 23 أكتوبر، تصديها لهجوم حوثي على جبهة كهبوب، مؤكدة تكبيد المهاجمين خسائر في الأرواح والعتاد وإجبارهم على التراجع عقب اشتباكات عنيفة بمختلف أنواع الأسلحة، دون إعلان حصيلة رقمية للخسائر.


وتكتسب هذه الجبهة أهميتها من موقعها قرب باب المندب وارتباط مرتفعاتها بالمواجهة في المنطقة المحاذية للساحل الغربي، ما يمنح استمرار القتال فيها أبعادًا تتجاوز حدود الموقع العسكري المباشر.


والقراءة التحليلية لهذه المواجهة أن فشل الهجوم، إذا تكرر دون مكاسب مقابلة، يرفع كلفة محاولة تغيير الميدان. فالقوة المهاجمة لا تخسر عناصر وعتادًا فقط؛ بل تضطر إلى إعادة التجميع والتعويض، وإقناع مقاتليها بخوض جولة جديدة في المواقع نفسها.


ومع ذلك، فإن صد الهجوم يثبت نجاح الدفاع في تلك الجولة، ولا يكفي وحده للحكم بأن القدرة الهجومية للميليشيا انتهت. ما يستحق المتابعة هو قدرتها على تكرار الهجمات بالمستوى نفسه، ونوعية العناصر التي تدفع بها، وحجم المكاسب التي تحققها قياسًا بخسائرها.


تعز.. تعدد المحاور يوسع الضغط


وفي تعز، أعلنت القوات المسلحة إفشال هجمات يوم الثلاثاء 20 أكتوبر في الشقب والمسراخ والأقروض، ومحيط جبل هان والضباب، والتصدي لمحاولة زحف في القطاع الشمالي. وقدّرت خسائر الحوثيين جراء المواجهات والغارات بنحو 98 قتيلًا و148 جريحًا، وهي حصيلة معلنة من طرف مشارك في القتال، وليست تعدادًا مستقلًا.


كما قال الناطق الرسمي للقوات المسلحة، العقيد الركن ماجد عبدالله النزيلي، إن القوات تواصل زيادة ضغطها القتالي في تعز ودفع الميليشيا إلى التراجع.


وتشير هذه الرواية إلى أن المواجهة لا تنحصر في محور واحد. ومن الناحية التحليلية، فإن تعدد مناطق الاشتباك قد يفرض أعباء إضافية على توزيع العناصر والاحتياطيات، ويجعل الاحتفاظ بالقدرة على الهجوم أكثر كلفة.


لكن تعدد الجبهات لا يتحول تلقائيًا إلى إنهاك حاسم. يتوقف ذلك على استمرارية الضغط وتماسك القيادة وقدرة الأطراف على تحمل الكلفة. فالجبهة التي تشهد قتالًا متقطعًا تختلف في أثرها عن مواجهة متواصلة تمنع إعادة بناء القوة.


خسائر المعدات.. ما وراء عدد القتلى


ولا تقتصر البيانات الميدانية على الخسائر البشرية. ففي التطورات المنشورة يوم 21 أكتوبر، أعلنت قوات درع الوطن إفشال هجوم في جبهة المحاولة بمحافظة لحج، واستهداف طقم حوثي محمّل بالذخائر أدى، بحسب بيانها، إلى احتراقه بالكامل. كما أعلنت العمالقة الجنوبية تدمير جرافة حوثية في كهبوب.


وتوضح هذه الوقائع جانبًا مهمًا من الاستنزاف: فقدان المعدات ووسائل الإمداد والتجهيز قد يؤثر في استمرار العمليات حتى عندما تستطيع الميليشيا توفير مقاتلين جدد. فالقوة العسكرية منظومة من أفراد وقيادة ونقل وتجهيز وموارد، وأي اختلال متكرر في أحد هذه المكونات يضغط على البقية.


ولهذا لا يصح اختزال تقييم المعركة في أعداد القتلى وحدها، ولا جمع الحصائل المتداولة دون تدقيق في تواريخها ونطاقها، فقد تتداخل بيانات مختلفة في تغطية الوقائع نفسها.


التعويض البشري.. الاختبار الأصعب


إلى جانب البيانات العسكرية، تتحدث الإفادات الميدانية الواردة عن حركة إخلاء طبي، وتزايد منشورات التعازي، ونقل موظفين من أجهزة مدنية إلى الجبهات. وهذه المؤشرات تحتاج إلى قراءة متقاطعة؛ فلا تكفي حركة الإسعاف أو صور التعازي وحدها لتحديد حجم الخسائر، لكنها قد تساعد في فهم الضغط الاجتماعي والبشري المصاحب للقتال.


أما الحديث عن سحب موظفين مدنيين لتعويض النقص، فإذا ثبت اتساعه، فإنه يشير إلى انتقال عبء الحرب إلى مؤسسات يحتاج إليها السكان في حياتهم اليومية. وعندها يصبح الحفاظ على القوة المقاتلة مرتبطًا بإضعاف وظائف مدنية وخدمية.


وتبقى المشكلة الأعمق أن تعويض العدد لا يعني تعويض الخبرة. فالعنصر الذي يُدفع إلى الجبهة حديثًا لا يحل فورًا محل مقاتل متمرس، وخسارة قائد ميداني قد تؤثر في انتظام مجموعة كاملة، حتى إن جرى تعيين بديل له بسرعة.


وهنا يمكن أن تتآكل القوة دون أن يظهر ذلك مباشرة على الخريطة: مواقع باقية، لكن الوحدات التي تدافع عنها أقل خبرة، وأكثر إنهاكًا، وأشد اعتمادًا على التعويض المتعجل.


الموقف السياسي.. استمرار العمليات وتوسيع الضغط الدولي


بالتوازي مع هذه التطورات، أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي، الدكتور رشاد العليمي، خلال لقاءاته بسفراء جدد في 21 أكتوبر، استمرار عملية «فجر اليمن» حتى تحقيق أهدافها، معتبرًا أن الهجمات الصاروخية والمسيّرات لن تحول دون استعادة مؤسسات الدولة.


ودعا العليمي إلى موقف دولي أكثر حزمًا تجاه ميليشيا الحوثي، وإلى خطوات عملية لمنع وصول الأسلحة والتقنيات إليها وتجفيف مصادر تمويلها، عقب الهجمات على المطارات والمنشآت المدنية.


وتكشف هذه التصريحات عن سعي لربط الضغط العسكري بتحرك دبلوماسي واقتصادي. فالمعركة، في هذا التصور، لا تتعلق بما يحدث في الجبهات فقط، بل أيضًا بقدرة الميليشيا على الحصول على الموارد والحفاظ على هامش المناورة السياسي.


غير أن أهمية هذا الخطاب تُقاس بما يترجم منه إلى إجراءات، وبمدى استمرار الدعم وتماسك القوى المنضوية في إطار الدولة. فالرسالة السياسية القوية تحتاج إلى مؤسسات قادرة على تنفيذها.


فتح طريق العودة أمام المقاتلين


وفي خطابه يوم 4 أكتوبر، تعهد العليمي بالعفو والعودة الآمنة لمن يلقي السلاح ويتوقف عن القتال في صفوف الحوثيين، وفق الإجراءات المعلنة. كما أكد أن العمليات ليست حربًا ضد صنعاء أو صعدة، ودعا القوات إلى نبذ الثأر والانتقام وحماية الأبرياء وممتلكاتهم.


ولهذا الجانب أهمية سياسية وإنسانية؛ إذ يميز بين مواجهة مشروع الميليشيا وبين معاداة سكان المناطق الخاضعة لسيطرتها، ويمنح من يريد ترك القتال تصورًا لإمكان العودة إلى حياته.


وتعتمد فاعلية هذه الرسالة على الثقة بتنفيذها. فكلما اطمأن المقاتل وأسرته إلى وجود معاملة منضبطة وضمانات فعلية، ضعفت قدرة خطاب التعبئة على تصوير الاستمرار في الحرب باعتباره الخيار الوحيد المتاح.


هل يقود التآكل إلى انهيار مفاجئ؟


قد تبقى مظاهر القوة قائمة حتى مرحلة متقدمة من ضعفها الداخلي. فاستمرار الخطاب المتشدد والهجمات لا يمنع وجود أزمة في التعويض أو القيادة أو الثقة. لكن الانتقال من هذه الأزمة إلى انهيار واسع ليس نتيجة تلقائية.


ويحتاج توقع الانهيار إلى مؤشرات تتجاوز الخسائر البشرية، منها اضطراب القيادة، وتراجع الانضباط، وتعطل الإمداد، والعجز عن إعادة تشكيل الوحدات، واتساع الفجوة بين الأوامر والقدرة على تنفيذها.


أما استحضار سيناريو سقوط النظام السوري، فيفيد في شرح كيف يمكن لتآكل طويل أن ينتهي بتحول سريع، لكنه لا يثبت تطابق الظروف أو حتمية تكرار النتيجة في اليمن. لكل حالة بنيتها الاجتماعية والعسكرية ومواردها وارتباطاتها.


ضعف الحوثي ومسؤولية البديل


تمنح أخبار صد الهجمات والخسائر المعلنة أساسًا لبحث فرضية تراجع القدرة الحوثية، لكنها تضع القوى المناهضة للميليشيا أمام مسؤولية موازية: تحويل الصمود العسكري إلى ثقة سياسية ومؤسسية.


فالناس لا يحتاجون إلى معرفة أن الحوثي يضعف فقط؛ بل إلى الاطمئنان إلى أن البديل قادر على إدارة الدولة، وصرف الرواتب، وتحسين الخدمات، وحماية الحقوق، ومنع تكرار صراعات النفوذ.


كما أن حماية المدنيين وتقليل معاناتهم يجب أن تبقيا معيارًا لتقييم أي تقدم. فإطالة أمد الحرب تحمل كلفة على المجتمع كله، ولا يجوز أن تغيب هذه الحقيقة خلف بيانات الخسائر والانتصارات.


إن السؤال الذي تطرحه جبهات تعز وكهبوب ولحج ليس مجرد بقاء الميليشيا قادرة على القتال، بل قدرتها على تحمل كلفة هذا القتال وتعويض ما تفقده. وإذا استمر اتساع الفجوة بين الخسارة والتعويض، فقد تصبح الخريطة آخر ما يتغير، بعد أن يكون ميزان القوة قد تغير بالفعل.