آخر تحديث :الثلاثاء-01 سبتمبر 2026-12:26م
ملفات وتحقيقات

"المؤتمر الشعبي"... أجنحة تتصارع على بقايا حزب

الثلاثاء - 01 سبتمبر 2026 - 11:21 ص بتوقيت عدن
"المؤتمر الشعبي"... أجنحة تتصارع على بقايا حزب
المصدر: عدن الغد - العربي الجديد

ظل حزب المؤتمر الشعبي العام في اليمن لعقود من الزمن منذ تأسيسه في عام 1982، متربعاً على قمة الهرم الحزبي، باعتباره الكتلة السياسية الكبرى في البلاد. وكان هو الحزب الحاكم تحت قيادة مؤسسه الرئيس الراحل علي عبد الله صالح، مستأثراً بالسلطة ومتحكماً بالقرار السياسي للدولة. ​غير أن الحزب بدأ يواجه اختبارات الضعف والتصدع مع اندلاع ثورة 11 فبراير/شباط في عام 2011، إثر إعلان قيادات عليا في الحزب انضمامها للثورة التي رفعت شعار إسقاط نظام صالح. ورغم نجاح صالح حينها في الحفاظ على ما تبقى من قيادات وأعضاء ربطوا بقاءهم التنظيمي بشخصه، إلا أنه عاد ليقود الحزب إلى تحالف مع جماعة الحوثيين بعد انقلابهم على مؤسسات الدولة في عام 2014. وأثارت هذه الخطوة موجة معارضة داخلية قادتها شخصيات بارزة، رأت في التحالف مع الحوثيين انقلاباً على الثورة والنظام الجمهوري، وكان على رأس هؤلاء القيادي المؤتمري سلطان البركاني.

= الأكبر في اليمن

​وفي الرابع من ديسمبر/كانون الأول 2017، قُتل صالح على يد الحوثيين، لتمثل تلك اللحظة الانتكاسة الأسوأ في تاريخ الحزب؛ وهو ما دفع مراقبين إلى وصفه حينها بـ"حزب الحاكم" بدلاً من "الحزب الحاكم"، في إشارة واضحة لفقدان مركز الثقل، إيذاناً ببدء مرحلة التشرذم وانقسام الحزب إلى تيارات وأجنحة متعددة الولاءات والتوجهات. وتأسس حزب المؤتمر الشعبي العام في 24 أغسطس/آب 1982، ويعد أحد أكبر الأحزاب السياسية في اليمن، وساهم مع الحزب الاشتراكي اليمني في تحقيق الوحدة اليمنية في 22 مايو/أيار 1990. في الانتخابات البرلمانية في إبريل/نيسان 1993 حصد "المؤتمر الشعبي" 121 مقعداً من أصل 301، وفي انتخابات 1997 حصد 187 مقعداً، ثم في انتخابات 2003 حصد 238 مقعداً، ما أهله لتشكيل الحكومة حتى تنحي صالح عن السلطة في 2011، إثر ثورة 11 فبراير التي عمّت اليمن في ظل ثورات الربيع العربي.

وبعد نحو تسع سنوات على مقتل صالح، تتوزع الخريطة التنظيمية للحزب في اليمن على مراكز قوى متفرقة وأجنحة تتبادل التجاذبات وتعكس تقاطع الأجندات المحلية والإقليمية. ​وفي مقدمة هذه التشكيلات يبرز التيار الرسمي المتمسك بالحكومة المعترف بها دولياً، والذي تقوده شخصيات بارزة في هرم السلطة على رأسها رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، ورئيس مجلس النواب والأمين العام المساعد للحزب سلطان البركاني، مستنداً إلى إرث الهيكل التنظيمي للحزب؛ حيث يسعى هذا التيار للحفاظ على المبادئ الجمهورية في مواجهة الانقلاب الحوثي على الدولة. وفي المقابل، يبرز تيار أحمد علي عبد الله صالح باعتباره الامتداد الرمزي والتاريخي لعائلة المؤسس، ويعيش هذا التيار مستنداً على رمزية صالح، لكنه يواجه تساؤلات حول مواقفه من أبرز قضايا الأزمة اليمنية، المتمثلة في الموقف من انقلاب الحوثيين والشرعية. ولعل الخطاب الأخير لنجل صالح عزز من ضبابية موقف هذا التيار، بعد الهجوم الذي شنه ضد قيادة الشرعية.

في موازاة ذلك، يرزح جناح صنعاء بقيادة صادق أمين أبو راس تحت القبضة الأمنية والسياسية المشددة لجماعة الحوثي، حيث يعاني قياداته وأعضاؤه المقيمون في مناطق سيطرة الجماعة من ضغوط مستمرة وتوظيف سياسي وتهميش ممنهج يفرغ الحزب من مضمونه، ويحوله إلى واجهة صورية تتحكم بإرادتها وقراراتها سلطة الأمر الواقع لتصبح تابعة ومؤيدة للجماعة. ​واستكمالاً لهذه التيارات، التي وُلد بعضها من رحم التشظي والبعض الآخر من امتداد لمسيرة الحزب، جاء أخيراً الإعلان من الرياض عن "تيار استعادة دور المؤتمر" بقيادة وزير الإعلام معمر الإرياني، بمعية عدد من قيادات الحزب وناشطيه الموجودين في الخارج، في حراك سياسي يسعى إلى لمّ الشمل وإعادة ترتيب الصفوف المتفرقة.

وقدم "تيار استعادة دور المؤتمر" ما سماها بالرؤية السياسية المرحلية، والتي أشارت إلى أنه في ظل ما يواجهه الحزب من تباينات وتعدد في مراكز القرار وضعف التواصل بين قياداته وقواعده، ينطلق التيار باعتباره إطاراً سياسياً وفكرياً وتواصلياً. ويسعى هذا التحرك إلى إعادة تفعيل دور المؤتمر في اليمن وتقريب قياداته وكوادره، واستعادة حضوره الوطني والسياسي والتنظيمي، بما يمكّنه من الإسهام الفاعل في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلاب الحوثي. ​وأضافت الرؤية أن التيار لا يمثل بديلاً عن المؤتمر أو مؤسساته التنظيمية، ولا يدعي احتكار تمثيله، وإنما يعمل على تحريك حالة الجمود، وتقريب وجهات النظر، والدفع نحو توحيد القيادة والقرار التنظيمي، وتعزيز التواصل الفعّال بين القيادات والفروع والقواعد داخل اليمن وخارجه.

وأثارت الخطوة سخط قيادات عليا داخل حزب المؤتمر؛ إذ أعرب رئيس مجلس النواب والأمين العام المساعد للحزب سلطان البركاني عن رفضه لتحركات الإرياني، معتبراً أنها تفتقر إلى الصفة التنظيمية والتفويض المؤسسي، ومحذّراً من أن يؤدي إطلاق مسارات موازية إلى تعميق الانقسام داخل الحزب وإضعاف القوى المناهضة لجماعة الحوثي. ​وقال البركاني، في رسالة وجهها إلى الإرياني، إن استعادة وحدة المؤتمر وفاعليته لا تبدأ بانتحال الصفة ولا بصناعة مراكز قرار من خارج مؤسساته، ولا بتحويل مبادرة شخصية إلى مرجعية تتحدث باسمه، مؤكداً أن الإرياني، رغم موقعه الحكومي، لا يحمل صفة تنظيمية تخوّله إنشاء تيار أو قيادة مسار باسم الحزب.

وعلى الرغم من أن التيار لا يزال في مرحلة المخاض، إلا أن الإعلان عنه من خارج اليمن فضلاً عن موقف البركاني الحاد، يؤكدان أن هذا الحراك يصطدم بتحديات هيكلية جسيمة تقلل من رهانات نجاحه بوصفه قوة مؤثرة. ولا يواجه هذا التيار رفضاً وتشكيكاً من قيادات وازنة في الداخل والبرلمان فحسب، بل يعاني أيضاً من فجوة عميقة بين خطابه النخبوي وبين القواعد الحزبية المشتتة على الأرض، مما يضعه أمام اختبار صعب لمدى قدرته على التحول من مجرد إطار نخبوي محدود التأثير إلى كيان جامع يتجاوز التشظي الداخلي وتقاطع المصالح الإقليمية.

وأكد عضو تيار استعادة دور المؤتمر، الصحافي رماح الجبري، في حديثٍ لـ"العربي الجديد"، احترام التيار لكافة قيادات المؤتمر الشعبي العام، بمن فيهم البركاني، رغم ما واجهه التيار من تجريح ومحاولات لاحتكار توزيع صكوك الانتماء الحزبي"، معتبراً أن هذا الأسلوب الإقصائي لا ينسجم مع تاريخ المؤتمر وتنوعه". وشدّد الجبري على أن توصيف التيار بأنه "كيان موازٍ" أو "مراكز قرار جديدة" يتنافى مع أدبياته المعلنة، فهو ليس حزباً جديداً ولا قيادة بديلة، بل هو إطار سياسي وفكري وتواصلي وجماعة ضغط وُلدت من رحم الحاجة الملحة لمعالجة حالة التعطيل والتشرذم، وهدفه الأساسي إعادة تفعيل مؤسسات الحزب وتقريب قياداته وكوادره دون ادعاء الوصاية أو احتكار التمثيل".

وفيما يخص أزمة الشرعية التنظيمية، أوضح الجبري أن حسمها لا يتم بالبيانات والاتهامات الفردية، بل عبر التحضير للمؤتمر العام الثامن لانتخاب قيادة شرعية ودائمة وفقاً للميثاق الوطني والنظام الداخلي، مقترحاً مساراً عملياً يبدأ بتشكيل لجنة تواصل وتشاور تتولى الحوار مع كافة الأطراف وصولاً إلى توافق على قيادة مؤقتة جامعة ومحددة زمنياً ووظيفياً لإعادة ربط القيادة بالقواعد". وعن قيادات المؤتمر في مناطق سيطرة الحوثيين في اليمن أكد الجبري أنها واقعة عملياً تحت الإكراه وقبضة المليشيا وفاقدة لحرية الإرادة والقرار، موضحاً أن أي مواقف تصدر عنها في ظل هذا القسر لا يمكن الاعتداد بها، مع التأكيد أن ذلك لا ينتقص من مكانة أولئك القيادات أو انتمائهم". وحول الأبعاد الإقليمية، نفى الجبري وجود أي ضمانات أو تفويضات خارجية، مشدداً على أن نجاح التيار يستند أولاً إلى إرادة المؤتمريين أنفسهم، مع الحرص على بناء الثقة مع الأشقاء في السعودية لضمان استعادة حزب وطني موحد وفعال يدعم الدولة والشرعية وإنهاء الانقلاب، بعيداً عن التحول لمنصة لمعاداة أي طرف".

بدوره، رأى الكاتب محمد القاسم، في حديثٍ لـ"العربي الجديد"، أن "حزب المؤتمر الشعبي العام يمثل نموذجاً للأحزاب البراغماتية القائمة على السلطة والزعيم الأوحد، فحين غاب علي عبد الله صالح وفقد الحزب مظلة الحكم، تفككت بنيته وذابت قاعدته الشعبية لاسيما في مناطق سيطرة الحوثي، لينقسم إلى عدة أجنحة". ​واعتبر القاسم أن الصراع الراهن داخل جناح "الشرعية" ليس سوى امتداد لهذه الأزمة البنيوية، إذ تسعى وجوه مثل وزير الإعلام معمر الإرياني لاستثمار الظرف الاستثنائي لسحب البساط من تحت أقدام القيادات التاريخية، في مسعى يُقرأ بوصفه تعبيراً عن رغبة إقليمية لإعادة هندسة الحزب وهيكلته عبر واجهات جديدة أكثر انضباطاً وطواعية للأجندات الخارجية".

= انعدام الثقة داخلياً

وأشار القاسم إلى أن هذا الصراع العلني يعكس أزمة ثقة حادة وانعداماً كاملاً للتجانس داخل جناح الحزب في معسكر الشرعية. غير أن القاسم رأى أن "الحديث عن تشكيل هذا الصراع خطراً على التماسك الحزبي يبدو مبالغاً فيه، فالمؤتمر، بهيكله المؤسسي المعهود، لم يعد متماسكاً من الأساس، بعد أن تعرضت بنيته الداخلية لضربات أزالت جزءاً كبيراً من قواعده الناظمة لشرعيته التنظيمية، وتحول إلى أجنحة متفرقة لم يعد يربطها سوى الاسم".

​وخلص القاسم إلى أن "التفتت هو المصير الأرجح للمؤتمر الشعبي العام، فمحاولات إعادة إنتاجه قوةَ توازن سياسية عبر الواجهات الجديدة التي يقودها الإرياني وجماعته تصطدم بواقع معقد يغلب عليه التشظي الداخلي العميق". وأكد القاسم، أن جناح المؤتمر في "الشرعية" لم يعد كتلة واحدة متجانسة، بل انقسم بدوره إلى عدة أجنحة يعكس كل منها رغبات وأجندات إقليمية متباينة ترتبط بمراكز القرار المختلفة بين الرياض وأبوظبي وغيرهما. وبما أن المؤتمر في جوهره حزب براغماتي تاريخياً وفاقد لزعيمه ولبنيته المؤسسية الصلبة، فإن هذا التعدد في الولاءات الخارجية وتضارب المصالح يجعل من استنساخ الحزب أو توحيده خياراً متعذراً، ليتحول حتمياً إلى كيانات متناثرة منتهية الصلاحية تتجاوزها أي تسوية مقبلة".