حاوره /معين اللولي
حين تتوقف لغة الأرقام عن وصف الفقد، وتتحول سيرة الغياب إلى قدر يمشى على الأرض، يبقى أبناء الشهداء هم الشاهد الحي على ثمن الوطن الباهظ. في هذا الحوار، نغوص خلف زحام الشعارات الرنانة ومواسم التكريم العابرة، لنلامس نبض الحقيقة كما يرويها من اكتووا بنار الفقد، وواجهوا قسوة الأيام بمفردهم. مساحة صريحة وشفافة تفتح الباب أمام أسئلة طال سكوتها، حول واقع الرعاية، وتحديات التعليم والعمل، وثقل نظرة مجتمع أحياناً ما يكتفي بالدموع بدلاً من الإنصاف.
كيف تعيشون تفاصيل الغياب حين تشتد الحاجة للسنَد؟ وأين تتلاشى الوعود الرسمية حين اصطدامها بواقع الحياة؟ إجابات لنجل الشهيد العميد طه علوان البوكري الصبيحي النقيب هيثم طه علوان نضعها بين يدي القارئ لنقترب أكثر من الحقيقة بعيداً عن مجازات الخطابة.
فالى نص الحوار
س: ما هو أكثر موقف شعرت فيه بحاجة ملحة لوجود والدك بجانبك؟
ج: بصراحة، الفقد ليس موقفاً عابراً نتذكره في محطة وننساه في أخرى، بل هو ظل يلاحقنا في كل تفصيلة من تفاصيل الحياة اليومية. لكن أكثر ما أشعر فيه بحاجة ملحة لوالدي الشهيد هو اللحظات التي تتطلب قراراً مصيرياً، أو عندما يشتد بنا عود الأيام وتغلق الأبواب أمامنا فنبحث عن ذلك الكتف السند والدرع الذي يتكئ عليه المرء ليواجه قسوة العالم. حين تتقاذفنا أعباء الحياة ومصاريفها وتتزاحم الهموم، تبرز غصة الغياب بأقسى صورها، فأبناء الشهداء لا يفقدون الأب العطوف فحسب، بل يفقدون الحصن الذي كان يحميهم من رياح التهميش والإهمال.
س: كيف تركت نظرة المجتمع وعبارات المواساة التقليدية أثراً برأيك؟
ج: للأسف، تحولت نظرة المجتمع في كثير من الأحيان إلى مجرد عاطفة عابرة تفرغ شحنتها في عبارات مواساة تقليدية وبكائيات موسمية لا تسمن ولا تغني من جوع. هذه العبارات، رغم ما تحمله من نبرة تعاطف ظاهرية، تترك في النفس شعوراً بالمرارة؛ لأنها تعامل قضيتنا وكأنها "مأساة مؤقتة" تنتهي بمجرد انتهاء المناسبة أو إغلاق الكاميرات. نحن لا نطلب الشفقة ولا نريد دموعاً تُسكب في خطابات التأبين، بل نطلب إنصافاً حقيقياً يدرك أن خلف كل شهيد عائلة تكافح للبقاء بكرامة، وأن المواساة الحقيقية تكمن في حفظ حقوقنا لا في ترديد أسطوانة الوفاء المشروخ.
س: هل تشعرون بوجود عوائق خفية أو صريحة تحول دون وصول أبناء الشهداء إلى مواقع صنع القرار أو فرص العمل الحقيقية بعيداً عن الوظائف الرمزية؟
ج: نعم، وبكل تأكيد. هناك جدار عازل وحواجز سميكة تحول دون تمكين أبناء الشهداء من الوصول إلى مواقع القرار أو الحصول على فرص عمل حقيقية ومؤثرة. ما يُقدم غالباً لا يعدو كونها وظائف رمزية أو فتاتاً لا يتناسب مع حجم التضحيات الجسام التي قدمها آباؤنا بدمائهم. يتم إقصاؤنا بهدوء وكأن المطلوب أن نظل على هامش الحياة، أصحاب ألقاب شرفية بلا رصيد واقعي، بينما يتصدر المشهد من لم يقدموا للوطن شيئاً. إنها حرب باردة تهدف إلى طمس إرث الشهداء عبر تهميش أبنائهم وإبقائهم في دائرة الاحتياج الدائم.
س: ما هو الرد على من يختزل حقوق أبناء الشهداء في مساعدات مالية موسمية أو شعارات عاطفية في المناسبات الوطنية؟
ج: ردنا باختصار: دماء الآباء ليست سلعاً للتجارة السياسية، وكرامة عائلات الشهداء أكبر بكثير من أن تُختزل في فتات مساعدات مالية موسمية تمن وكأنها منة من خزينة الدولة. الشعارات العاطفية البراقة التي تملأ الفضائيات والاحتفالات الرسمية لا تستر فقرنا، ولا تدفع رسوم تعليمنا، ولا توفر لنا دواءً ولا مسكناً. من يظن أن بإمواسه شراء صمتنا بشيك هزيل أو سلة غذائية عابرة في ذكرى سنوية فهو واهم؛ حقوقنا هي استحقاق وطني قانوني وأخلاقي، وليست مكرمة شخصية تتلذذون بمنحها أو حجبها.
س: كيف تقيّم مستوى رعاية المؤسسات الرسمية والأهلية لأبناء الشهداء مقارنة بحجم التضحيات التي قدمها آباؤهم؟
ج: التقييم باختصار شديد هو "صفر على الشمال". الفجوة هائلة ومخيفة لدرجة لا يمكن وصفها؛ فحجم التضحيات التي قدمها آباؤهم – والذين رووا بدمائهم الطاهرة تراب هذا الوطن في أشرس الجبهات – يقابلها تنكر رسمي ومؤسسي مخزٍ. المؤسسات الرسمية التي أقيمت باسم الشهداء تحولت إلى هياكل تحكمها البيروقراطية والمحسوبية، وغابت عنها أبسط معايير الإنصاف. أما المنظمات الأهلية فجلّ ما تقدمه هو استعراض إعلامي باهت. نحن نعيش واقعاً يشعرنا بأن استشهاد آبائنا كان تذكرة عبور لغيرنا نحو النفوذ والمكاسب، بينما تُرِكنا وحدنا نصارع جحيم التجاهل.
س: برأيك، ما هي أبرز الأشكال التي تتجلى فيها "مظلومية أبناء الشهداء" اليوم على الصعيدين المادي والمعنوي؟
ج: مظلوميتنا اليوم لها وجهان أقسى من بعضهما. على الصعيد المادي، تتمثل في الانهيار المستمر لمستوى المعيشة، انقطاع الرواتب أو تآكلها بفعل التضخم، وعجزنا عن توفير أبسط مقومات العيش الكريم في بلد ضحى آباؤنا بأرواحهم لأجله. أما على الصعيد المعنوي، فتتجلى المظلومية في شعورنا الدائم بالغدر والجحود، حين نرى قتلة الأمل وممتهني الفساد يعربدون في كل مفاصل الدولة، بينما يُنظر إلى ابن الشهيد نظرة استخفاف أو يُعامل كعبء ثقيل يجب التخلص من إزعاج مطالبه.
س: هل تعتقد أن الدعم الحكومي والمؤسسي الموجه لعائلات الشهداء يلبي الحد الأدنى من طموحاتكم في العيش الكريم والتعليم الرصين؟
ج: لا يلبي حتى عُشر الحد الأدنى، ولنكن صرحاء بلا مساحيق تجميل. التعليم الرصين الذي يضمن لنا مستقبلًا واعدًا أصبح حلمًا باهظ الثمن، والجامعات تغلق أبوابها أمامنا بحجة عدم القدرة على دفع الرسوم، بينما تذهب المنح الدراسية والمقاعد المجانية لأبناء وأقارب المسؤولين والنافذين عبر الواسطة والمحسوبية. الدعم الحكومي مجرد حبر على ورق، وما يُصرف لا يغطّي أبسط احتياجات الحياة اليومية في ظل أزمة اقتصادية خانقة. لقد تركوا عائلات الشهداء تواجه جشع الأسواق وغلاء المعيشة بمفردها تماماً.
س: كثيراً ما تتحول دماء الشهداء إلى مادة للاستهلاك الإعلامي في المناسبات. كيف تصف شعوركم حين تلمسون هذا الاستغلال؟
ج: شعورنا يمزقه الغضب والأسى في آن واحد. إن رؤيتنا لصور آبائنا تُرفع كشعارات براقة في المهرجانات الانتخابية والخطابات الحماسية، بينما تُترك عائلاتهم تئن تحت وطأة الجوع والتهميش، هو الشكل الأبشع من أنواع الاستغلال والابتزاز الأخلاقي. حين يخرج مسؤول ليتبجح بالحديث عن "تضحيات الشهداء" وهو يغلق بابه في وجوهنا، فإن ذلك يمثل إهانة صريحة لدماء آبائنا الطاهرة. نحن ندرك تماماً أن دماءهم تحولت إلى "كارتاً رابحاً" يتسلقون عليه، وهذا ما لن نغفره ولن نَصمت عنه طويلاً.
س: هل واجهتك عراقيل استثنائية في إكمال تعليمك أو الحصول على فرص عمل تناسب كفاءتك بصفتك ابن شهيد؟
ج: واجهت ولا أزال أواجه عراقيل تعجز الجبال عن حملها. رحلتي التعليمية كانت سلسلة متواصلة من المعاناة والإذلال على أبواب المكاتب بحثاً عن إعفاء دراسي بسيط أو مساعدة طفيفة تُعينني على مواصلة الدراسة. وحين تخرجت وحصلت على مؤهلي، اصطدمت بجدار الواسطة والمحسوبية؛ ففرص العمل الحقيقية تُباع وتُشترى أو تُوزع على المحاسيب، وحين أطرق الأبواب بصفتي "ابن شهيد"، يُقابل طلبي بالتسويف أو بالعبارات الباردة: "الملف مرفوع وسيتم النظر فيه"، وهي عبارة تعني في عرفهم: "اذهب ولن تعود".
س: ما هي حقيقة الوعود التي تُقدم لأبناء الشهداء عند التكريمات الرسمية مقارنة بما يتحقق على أرض الواقع؟
ج: حقيقة مُرة ومخزية: الوعد في الغالب يبدأ بكلمات رنانة ووعود كاذبة بـ "الرعاية الكاملة والتوظيف الفوري والتكريم اللائق"، وتنتهي بمجرد التقاط صورة تذكارية أمام عدسات المصورين. بمجرد أن ينزل المسؤول من منصة الاحتفال وينتهي البث المباشر، تتبخر تلك الوعود في الهواء، ولا يبقى لنا سوى الذكريات المؤلمة. الواقع المعيش يخلو تماماً من أي تطبيق عملي لتلك التعهدات، وتتحول منصات التكريم إلى مسارح هزلية يمارس فيها المسؤولون هواية الاستعراض الإعلامي على حساب جراحنا.
س: لو أتيحت لك فرصة لقاء المسؤول الأول عن ملف رعاية الشهداء، فما هي الرسالة المباشرة التي ستوجهها له؟
ج: سأقول له بلا تردد وبكل صراحة: "اتقوا الله في دماء من أتاحوا لكم الجلوس على تلك الكراسي والتحكم بمصير البلاد. لو لم يتقدم آباؤنا بصدورهم العارية للموت، لما كنتم هنا اليوم. ارفعوا أيديكم عن المتاجرة بملف الشهداء، وحولوا الشعارات الزائفة إلى أفعال حقيقية تحفظ كرامة أبنائهم في التعليم والصحة والعمل. التاريخ لا يرحم أحداً، وجحودكم لن يمر دون حساب، فابن الشهيد ليس طالباً حسنة، بل هو صاحب حق أصيل في هذا الوطن".
س: رغم كل الجراح، ما هي رسالتك لإخوتك من أبناء الشهداء الذين يواجهون قسوة الحياة بمفردهم؟
ج: رسالتي لكل أخ وأخوة تجرعوا مرارة الفقد وواجهوا رياح العزلة بمفردهم: لا تنحنوا لأحد، ولا تقفوا على أبواب اللئام متوسلين حقوقكم المسلوبة. آباؤكم لم يسقطوا ليذل أوةلادهم، بل سقطوا أحراراً وشجعانًا، وعلينا أن نكون امتداداً طاهراً لتلك البطولات. اصبروا واثبتوا وسلحوا أنفسكم بالعلم والمعرفة؛ فهما السلاح الوحيد القادر على كسر هذا الطوق المفروض علينا. انفضوا غبار اليأس عن أكتانكم، واعلموا أن عزة آبائكم هي تاج على رؤوسكم للأبد.
س: كلمة أخيرة تختتم بها هذا الحوار لمن يقرؤون معاناتكم اليومية؟
ج: كلمتي الأخيرة لكل ضمير حي يقرأ هذه السطور: لا تكتفوا بالتعاطف الصامت أو الاكتفاء بالدموع، لأن الدموع لا تبني وطناً ولا تنصف مظلوماً. قضية أبناء الشهداء ليست شأناً عائلياً تخصنا وحدنا، بل هي المحك الأخلاقي الأخير لهذا المجتمع وللدولة بأكملها. إن تهميش عائلات من ضحوا بأرواحهم هو خيانة صريحة لمبادئ التضحية والفداء. قفوا إلى جانب الحق، واضغطوا بكل ما أوتيتم من قوة لرفع الظلم عنا، فالتاريخ لن يغفر لمن فرّط في حقوق من صنعوا له مجد البقاء.