سعدتُ بالمشاركة في الاجتماع الأخير للجنة تسيير حركة رفع مستوى التغذية SUN في العاصمة المؤقتة عدن، بصفتي أحد أعضاء لجنة التسيير ممثلاً عن وزارة التربية والتعليم، وهو ما أتاح لي الوقوف على أهمية الجهود المبذولة للارتقاء بالعمل التغذوي في اليمن، والانتقال به من الاستجابة المحدودة إلى التخطيط الوطني المتكامل.
فلم تعد قضية التغذية في اليمن شأناً صحياً محضاً، ولا مشكلة يمكن التعامل معها من خلال العلاج وحده؛ إذ يرتبط سوء التغذية بجملة واسعة من العوامل تبدأ بالوعي والممارسات الأسرية، وتمتد إلى الصحة والتعليم والمياه والزراعة والأمن الغذائي والظروف الاقتصادية والاجتماعية.
ومن هنا تكتسب حركة رفع مستوى التغذية SUN أهمية خاصة، باعتبارها إطاراً وطنياً يجمع الحكومة وشركاء التنمية والأمم المتحدة والمانحين ومنظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص، بهدف الوصول إلى يمن خالٍ من جميع أشكال سوء التغذية. وقد انضمت اليمن إلى الحركة العالمية في نوفمبر 2012، ثم أُنشئت السكرتارية التنسيقية للحركة في وزارة التخطيط والتعاون الدولي لتتولى مهام التنسيق والمتابعة والدعم الفني بين مختلف الأطراف.
اجتماع يتجاوز حدود الاجتماع.
في هذا السياق، جاء الاجتماع الأخير للجنة تسيير حركة رفع مستوى التغذية في العاصمة المؤقتة عدن، برئاسة نائب وزير التخطيط والتعاون الدولي والمنسق الوطني للحركة الدكتور نزار باصهيب، وبمشاركة ممثلين عن الجهات الحكومية والشركاء الدوليين والأمم المتحدة والمانحين ومنظمات المجتمع المدني.
وتناول الاجتماع جملة من القضايا المهمة، في مقدمتها خطة التغذية متعددة القطاعات التي أقرها مجلس الوزراء، وما تحقق من تقدم في تنفيذها، إلى جانب إعداد البرامج التسريعية في محافظتي تعز ولحج، والعمل على إدماجها في خطط التعافي والتنمية الاقتصادية، بما يجعل التغذية جزءاً من التخطيط الوطني لا نشاطاً منفصلاً أو استجابة مؤقتة.
كما ناقش أوجه الدعم الذي يمكن أن يقدمه شركاء الأمم المتحدة للبرامج الوطنية، وأكد أهمية الانتقال من التركيز على علاج حالات سوء التغذية بعد حدوثها إلى الوقاية ومعالجة أسبابها الأساسية، وتعزيز الوعي المجتمعي، مع إيلاء الأمهات اهتماماً خاصاً باعتبارهن محوراً أساسياً في صحة الطفل والأسرة.
وهذه النقلة في التفكير هي جوهر فلسفة حركة SUN: أن التغذية مسؤولية جماعية، وليست مسؤولية وزارة واحدة.
ما هي حركة الصن ؟
حركة Scaling Up Nutrition – SUN، أو حركة رفع مستوى التغذية، هي حركة عالمية تقوم على فكرة جوهرية مفادها أن القضاء على سوء التغذية لا يمكن أن يتحقق بجهد قطاع منفرد، وإنما من خلال تكامل السياسات والبرامج والموارد بين القطاعات المختلفة.
وفي اليمن، تعمل الحركة تحت قيادة وزارة التخطيط والتعاون الدولي، وتضم لجنة التسيير الوطنية، والسكرتارية التنسيقية، والفريق الفني المتعدد القطاعات، إلى جانب الوزارات والجهات الحكومية والشركاء الدوليين والمانحين والمجتمع المدني والقطاع الخاص.
وتشمل دائرة العمل قطاعات الصحة والتعليم والزراعة والمياه والأسماك وغيرها؛ لأن الطفل الذي يعاني سوء التغذية قد لا تكون مشكلته في الغذاء وحده، وإنما في الماء غير الآمن، أو ضعف الرعاية الصحية، أو جهل الأسرة بالممارسات الغذائية السليمة، أو الفقر وانعدام الأمن الغذائي.
وهنا تكمن قيمة الصن : أنها تنظر إلى التغذية باعتبارها نتيجة لمجموعة متكاملة من السياسات، وليست مجرد وجبة تقدم لطفل.
السكرتارية.. عقل التنسيق وذاكرة العمل
ومن أهم مكونات حركة SUN في اليمن السكرتارية التنسيقية التي أُنشئت في وزارة التخطيط والتعاون الدولي عقب انضمام اليمن إلى الحركة.
ولم يقتصر دورها على عقد الاجتماعات وتنسيق المواعيد، بل تطور ليشمل صياغة السياسات، والتنسيق بين القطاعات، وتقديم الدعم الفني، وتحديث الخطط، والمناصرة لقضايا التغذية، وحشد الشركاء والموارد، إضافة إلى المتابعة والتقييم.
كما أسهمت في تنفيذ التدريبات وورش العمل وحملات التوعية، بما يعكس انتقال قضية التغذية من إطارها الفني الضيق إلى فضاء التوعية المجتمعية والعمل المؤسسي.
فالوقاية تبدأ من الأسرة قبل المستشفى، ومن وعي الأم قبل وصول الطفل إلى مركز العلاج. ولذلك ركزت الحركة على الممارسات الصحيحة لتغذية الأطفال، وصحة الأم، والكشف المبكر عن حالات سوء التغذية، وربط ذلك بخدمات الصحة والمياه والتعليم والأمن الغذائي.
خطة التغذية متعددة القطاعات.. من الفكرة إلى الوثيقة الوطنية
من أبرز إنجازات حركة SUN في اليمن العمل على إعداد خطة التغذية متعددة القطاعات، ثم تطويرها وتحديثها وفق المتغيرات والاحتياجات، وصولاً إلى إطار فني متكامل يتضمن آليات المتابعة والتقييم واستراتيجية المناصرة.
وتكمن أهمية هذه الخطة في أنها لا تنظر إلى التغذية من زاوية صحية فقط، وإنما تربطها بمختلف القطاعات ذات الصلة، وتحدد الأولويات والتدخلات والأدوار، بما يساعد على توحيد الجهود وتجنب الازدواجية وتوجيه الموارد نحو الاحتياجات الأكثر إلحاحاً.
ومن هنا تأتي أهمية اعتماد الخطة من مجلس الوزراء؛ إذ تنتقل من كونها وثيقة فنية إلى مرجعية رسمية للعمل الحكومي والشراكة التنموية.
وهذا هو الفارق بين أن تكون لدينا أفكار جيدة، وأن تكون لدينا سياسة وطنية قابلة للتنفيذ والقياس والمتابعة.
من العلاج إلى الوقاية.. ومن الجهود المتفرقة إلى العمل المشترك.
إن التحدي الحقيقي أمام حركة SUN اليوم لا يتمثل في إعداد الخطط فحسب، وإنما في تحويلها إلى برامج ملموسة تصل آثارها إلى الأسرة اليمنية، وإلى الطفل في المدرسة والقرية والمدينة، وإلى الأم التي تحتاج إلى المعرفة والخدمة الصحية والغذاء الآمن.
ولهذا فإن ربط خطة التغذية بخطط التعافي والتنمية، وإعداد برامج تسريعية في تعز ولحج، يمثل خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح؛ لأن التغذية لا ينبغي أن تكون مشروعاً موسمياً ينتهي بانتهاء التمويل، بل جزءاً أصيلاً من سياسة التنمية الوطنية.
لقد قطعت حركة SUN وسكرتاريتها في اليمن شوطاً مهماً في بناء الوعي، وتنسيق الجهود، وإعداد الخطط، وجمع الشركاء حول رؤية مشتركة. واليوم، وبعد اعتماد خطة التغذية متعددة القطاعات من مجلس الوزراء، تبدأ مرحلة أكثر أهمية: مرحلة التنفيذ.
فالأمم لا تبني مستقبلها بالغذاء وحده، لكنها لا تستطيع أن تبني مستقبلاً سليماً بأطفال يعانون سوء التغذية.
ومن هنا فإن الاستثمار في التغذية هو استثمار في الإنسان، والاستثمار في الإنسان هو أقصر الطرق إلى بناء مجتمع أكثر صحة وتعليماً وإنتاجاً واستقراراً.
وإذا كانت حركة SUN قد نجحت في أن تجمع القطاعات المختلفة حول مائدة واحدة، فإن الرهان الأكبر اليوم هو أن يتحول هذا الاجتماع من مائدة للتنسيق إلى مائدة للعمل، ومن الخطة إلى الإنجاز، ومن الوعي إلى تغيير حقيقي في حياة الإنسان اليمني.