أيها الغائب الحاضر، يا وليد دماج
الروائي الذي صدق القول، والشاعر الذي لم يخن الإحساس.
أربع سنوات مضت، والصدى ما يزال يتردد في السطور وفي القلوب. السؤال هو السؤال، يطرق باب الغياب عن رفيق الفكر وأحد أقطاب السرد اليمني المعاصر.
أربع سنوات منذ أن غاب وجه من أنبل وجوه الثقافة اليمنية، وأشدها امتلاء بالمعرفة والجمال، في التاسع عشر من أغسطس سنة ألفين واثنين وعشرين. يوم انطوت صفحة كانت مضيئة، لتبدأ سيرة أخرى في سفر الذين لا يموتون.
في مثل هذه الذكرى يعود إليّ شريط الذكريات إلى ذلك الصيف القائظ من سنة ألفين وسبعة عشر. يوم جمعنا الحكيم باقيس بقسم اللغة العربية في كلية الآداب بجامعة عدن، ونحن في تمهيدي الدكتوراه، وكان لقاؤنا الأول. هناك التقى الفكر بالفكر، ورأيتك جبلا راسخا من المعرفة، تريد أن تغرس بذور الإبداع في نفوس من يبحثون عن الحقيقة. لم يكن اللقاء عابرا، بل كان بداية تعاون ثقافي امتدّ بعد ذلك.
كنت الروائي والمثقف الذي رحل في ذروة عطائه، تاركا أدبا لا يشيخ، واسما ثبت في ذاكرة الرواية اليمنية. من ظلال الجفر و هُم إلى وقش و أبو صهيب العزي ، كنت تحفر في التاريخ والإنسان والحضارة، وتكتب كما يليق بمن ظلّ اليمن عنده سؤالا ومصيرا، وشجنا وندبة ومتاهة.
أتذكر جليا تلك الجولة التي سرت فيها معك في دروب الشيخ عثمان، قلب عدن. طفنا بأزقتها وتاريخها، من مسجد العثماني العتيق الذي تحكي أحجاره حكايات الزمن وقبور اليهود المثيرة، إلى القبر المجهول في دار الفلك، ذلك الرمز للتاريخ المنسي الذي كنت تبحث عنه في رواياتك، ثم صعدنا إلى مقهى الزحف العربي، حيث صخب الحياة ورائحة الشاي العدني. والمخبازة والسمك (صول فيش) وحلوى ناصر ربيع، رأيتك شغوفا توثق كل صغيرة وكبيرة، تلتقط التفاصيل بكاميرتك وقلمك، كأنك تريد أن تخلّد كل لحظة وكل ملمح من ملامح مدينتك. كان شغفك بالتاريخ وبتفاصيل الحياة اليمنية يظهر في كل خطوة وكل سؤال.
لم ينقطع تواصلنا. شرفتنا بحضورك واستجابتك حين دعوناك إلى الأنشطة الثقافية في الجامعة اللبنانية، يوم كنت مشرفا عليها. كان حضورك زخما أثرى النقاشات وألهم الطلاب، وترك أثرا في ذاكرة الجامعة. وأنت اليوم حاضر في أطروحتي للدكتوراه بتونس، يستمر قلمك وفكرك في إلهام الباحثين، ويظل نتاجك الأدبي مادة للدراسة والتحليل، جزءا لا ينفصل عن النسيج الثقافي اليمني والعربي.
أربع سنوات يا صديقي، وما زال في الغياب شيء منك لا يغيب. أثر يزداد حضورا، إذ لا يملك الغياب من بعض الأرواح إلا مسافة تسقط في وهم المسافة. في كل سطر كتبته، وفي كل ذكرى جمعتنا، يظل طيفك حاضرا، يهمس بكلماتك، ويذكرنا بعظمة العطاء.
سلام عليك في الخالدين. تركت إرثا لا يندثر، وذكرى لا تموت، واسما محفورا في ذاكرة الأدب. رحلت، لكن فكرك باقٍ، وصوتك مسموع. وسلام الله عليك في كل حين.