آخر تحديث :الأربعاء-12 أغسطس 2026-02:27م
ملفات وتحقيقات

خبراء عسكريون: قدرات اليمن الجوية تعيد رسم معادلة الردع مع الحوثيين

الأربعاء - 12 أغسطس 2026 - 12:33 م بتوقيت عدن
خبراء عسكريون: قدرات اليمن الجوية تعيد رسم معادلة الردع مع الحوثيين
المصدر: (عدن الغد) – قسم التقارير:

في ظل تصاعد التوترات العسكرية في اليمن، تبرز القدرات الجوية الجديدة التي بدأت القوات الحكومية في إدخالها إلى الخدمة، وفي مقدمتها الطائرات المسيّرة، باعتبارها أحد أبرز المتغيرات التي يمكن أن تؤثر في شكل المعركة خلال المرحلة المقبلة، وتمنح القوات الحكومية هامشاً أوسع للتحرك من موقع الدفاع إلى المبادرة.

ويرى خبراء عسكريون وسياسيون يمنيون أن امتلاك هذه القدرات لا يعني تحولاً فورياً في موازين القوى، لكنه يمثل خطوة مهمة على طريق إعادة بناء القوة الجوية وتطوير أدوات الردع، خصوصاً إذا جرى دمج الطائرات المسيّرة ضمن منظومة عسكرية متكاملة تشمل الاستطلاع والاستخبارات والاتصالات والقيادة والسيطرة والقوات البرية والبحرية والدفاع الجوي.

وجاءت هذه التقديرات خلال ندوة نظمها «مركز عناوين للبحوث ودراسة التحولات» تحت عنوان «التحولات العسكرية في اليمن: موازين القوى ومسارات التصعيد ومستقبل الصراع»، بمشاركة خبراء عسكريين وسياسيين وقيادات في المقاومة الشعبية، حيث ناقشت الندوة طبيعة التحولات التي تشهدها المؤسسة العسكرية الحكومية، وأسباب استمرار قدرة الحوثيين على الاحتفاظ بمبادرة التصعيد، والخيارات المتاحة أمام القوات الحكومية خلال المرحلة المقبلة.


المسيّرات.. بداية لاستعادة القوة الجوية

العميد الركن ياسر صالح، الخبير العسكري والاستراتيجي، اعتبر أن اليمن والمنطقة يمران بمرحلة شديدة الحساسية نتيجة التداخل بين التطورات المحلية والإقليمية والدولية، مشيراً إلى أن الصراع اليمني أصبح جزءاً من معادلات أمنية أوسع تتجاوز حدود الجبهات الداخلية.

وأوضح أن القدرات الجوية الحكومية لا تزال محدودة ولا يمكن وصفها بأنها سلاح جو متكامل بالمفهوم التقليدي، إلا أن إدخال مجموعات من الطائرات المسيّرة إلى الخدمة يمثل، بحسب تقديره، إضافة نوعية يمكن أن تكون لها آثار مهمة على المستوى العملياتي.

وتوفر الطائرات المسيّرة، وفق صالح، إمكانات متعددة تشمل الاستطلاع والمراقبة، ومتابعة تحركات القوات، ومراقبة محاور الاقتراب، وتقديم الإسناد للقوات البرية، فضلاً عن التعامل مع بعض الأهداف وخطوط الإمداد، وهو ما يمنح القيادة العسكرية خيارات أوسع في إدارة العمليات.

لكن الخبير العسكري شدد على أن امتلاك المسيّرات لا يكفي وحده لتغيير مسار الحرب، إذ إن قيمتها الحقيقية ترتبط بقدرة المؤسسة العسكرية على دمجها ضمن منظومة موحدة للقيادة والسيطرة والاستطلاع والنيران.

كما تتطلب هذه القدرات، بحسب صالح، كوادر مدربة، وصيانة مستمرة، واتصالات آمنة، ومعلومات استخباراتية دقيقة، إلى جانب قدرة القيادة على توظيف البيانات التي توفرها الطائرات في الوقت المناسب.

ويرى صالح أن تعيين قيادة للقوات الجوية يمثل مؤشراً على وجود توجه لإعادة بناء هذا الصنف العسكري، مع إمكانية الاعتماد مرحلياً على الطائرات غير المأهولة لتوفير قيمة عملياتية وردعية تتناسب مع الإمكانات المتاحة، بالتوازي مع تطوير القوة الجوية مستقبلاً وفق متطلبات الحرب الحديثة.


معركة القيادة والسيطرة

ولا تتعلق إعادة تشكيل معادلة القوة بالأسلحة الجديدة وحدها، إذ يرى خبراء أن توحيد القرار العسكري يمثل أحد أهم المفاتيح لأي تحول حقيقي في ميزان القوى.

وفي هذا السياق، قال العميد الركن محمد الكميم، الخبير العسكري والاستراتيجي، إن المؤسسة العسكرية الحكومية واجهت خلال السنوات الماضية معضلة مزدوجة تمثلت في خوض الحرب ضد الحوثيين، وفي الوقت ذاته إعادة بناء مؤسساتها بعد سيطرة الجماعة على عدد كبير من مراكز القيادة والمعسكرات ومخازن الأسلحة.

وأشار الكميم إلى أن تعدد مراكز القرار العسكري انعكس سلباً على أداء الجبهات، وأتاح للحوثيين في مراحل مختلفة فرصة نقل الضغط بين المحاور واختيار توقيت الهجمات ومواقعها وفقاً لظروف الميدان.

غير أنه لفت إلى أن المرحلة الأخيرة شهدت خطوات باتجاه إعادة ربط التشكيلات العسكرية بوزارة الدفاع والقيادة العليا، إلى جانب توسيع برامج التدريب والتأهيل وتحسين مستوى التنسيق بين الجبهات.

وبحسب الكميم، فإن توحيد القيادة والسيطرة يمكن أن يكون أكثر تأثيراً من مجرد زيادة أعداد القوات أو الأسلحة، لأن تعدد التشكيلات لا يؤدي بالضرورة إلى تحقيق قوة عسكرية موحدة إذا كانت تعمل بقرارات منفصلة.

أما وجود قيادة موحدة، فيتيح توزيع الضغط بين الجبهات، وتحريك الاحتياط، وتنسيق العمليات، وفتح محاور بديلة، وحرمان الخصم من القدرة على استثمار الانقسامات في القرار العسكري.


لماذا يصعّد الحوثيون؟

ويرى الكميم أن التصعيد الحوثي الأخير يمكن قراءته في ضوء محاولات الجماعة منع القوات الحكومية من الانتقال إلى مرحلة المبادرة العسكرية.

ويقول إن الحوثيين يسعون من خلال رفع مستوى التصعيد إلى تثبيت القوات الحكومية في مواقع دفاعية، واستنزاف الذخائر والموارد، واختبار مستوى الجاهزية، وإرباك عملية إعادة التنظيم العسكري، فضلاً عن محاولة التأثير في البيئة الاجتماعية المحيطة بالقوات الحكومية.

وبهذا المعنى، فإن المعركة لا تقتصر على السيطرة على مواقع جغرافية، وإنما تشمل أيضاً سباقاً لإعادة بناء القدرات العسكرية وفرض إيقاع العمليات.

فكلما نجحت القوات الحكومية في تنظيم صفوفها وتحسين قدرتها على الاستطلاع والاستهداف والقيادة والسيطرة، تقلصت مساحة المناورة المتاحة أمام الحوثيين، بينما يمثل إبقاء القوات في حالة استنفار دفاعي وسيلة لاستنزاف هذه العملية قبل اكتمالها.


الاتصالات.. ثغرة استراتيجية

ومن الملفات التي ناقشتها الندوة أيضاً قضية الاتصالات، في ظل استمرار سيطرة الحوثيين على جزء مهم من البنية الوطنية للاتصالات.

ويرى العميد ياسر صالح أن هذه السيطرة تمثل ثغرة ذات أبعاد أمنية وعسكرية واقتصادية، خصوصاً في ظل اعتماد العمليات العسكرية الحديثة على الاتصالات الآمنة وسرعة نقل المعلومات والأوامر.

وأوضح أن القوات المسلحة طورت وسائل بديلة لإدارة العمليات ونقل التعليمات، إلا أن هذه البدائل لا تغني، وفق تقديره، عن إنشاء منظومة اتصالات وطنية مستقلة وآمنة ومشفرة ومتعددة المسارات.

وتزداد أهمية هذا الملف في أي مواجهة عسكرية واسعة، إذ يمكن أن يؤدي اختراق الاتصالات أو رصدها إلى كشف تحركات القوات ومواقعها وخططها، الأمر الذي يجعل أمن الاتصالات جزءاً أساسياً من منظومة القوة وليس مجرد مسألة تقنية.


عوامل مكنت الحوثيين من الصمود

وفي تفسيره لأسباب استمرار الحوثيين في الاحتفاظ بقدرات عسكرية مؤثرة، حدد صالح مجموعة من العوامل، من بينها التعبئة الأيديولوجية، والسيطرة على مؤسسات الدولة ومواردها، والاستفادة من حالة تشتت الخصوم، إلى جانب الدعم الإيراني في مجالات الصواريخ والطائرات المسيّرة والتكتيكات العسكرية.

كما أشار إلى أهمية العامل الجغرافي والديموغرافي، فضلاً عن الموقع الجيوسياسي لليمن، الذي منح الجماعة القدرة على تحويل بعض قدراتها العسكرية إلى أدوات ضغط تتجاوز الجغرافيا اليمنية.

ويعكس ذلك، بحسب القراءة المطروحة في الندوة، طبيعة مختلفة للصراع الحوثي، إذ لم تعد الجماعة تعتمد فقط على السيطرة الميدانية داخل اليمن، وإنما طورت أدوات عسكرية تسمح لها بالتأثير في ملفات إقليمية، وفي مقدمتها أمن البحر الأحمر والملاحة الدولية.


البحر الأحمر ينقل الصراع إلى مستوى إقليمي

من جانبه، يرى الدكتور محمد الحميري، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، أن التصعيد الحوثي لا يمكن فصله عن التوترات الإقليمية وقضايا أمن الطاقة والملاحة في البحر الأحمر.

وأوضح أن الجماعة تستخدم التهديد باستهداف المنشآت الحيوية والممرات البحرية باعتباره أداة ضغط على السعودية والقوى الدولية، ومحاولة لتحسين موقعها في أي مسار تفاوضي مقبل.

وبحسب الحميري، فإن نقل جزء من الصراع من الجبهات الداخلية إلى المجال الإقليمي يمنح الحوثيين قدرة أكبر على جذب اهتمام القوى الدولية، لأن تهديد الملاحة وأمن الطاقة يرتبط مباشرة بالمصالح الاقتصادية والاستراتيجية لدول عديدة.

وهنا تتغير طبيعة معادلة الردع؛ فالقوة العسكرية لم تعد تقاس فقط بالقدرة على السيطرة على المدن والجبال والمواقع العسكرية، وإنما أيضاً بقدرة أي طرف على تهديد خطوط الإمداد والملاحة والمنشآت الحيوية.


من الدفاع إلى المبادرة.. هل تتغير المعادلة؟

وتشير مجمل الطروحات التي تناولتها الندوة إلى أن القوات الحكومية تقف أمام مرحلة يمكن أن تشهد تحولاً تدريجياً في أدوات المواجهة، إذا نجحت في استكمال بناء قدراتها العسكرية وتوحيد القرار العملياتي.

فالطائرات المسيّرة يمكن أن توفر قدرة متقدمة على الاستطلاع والمراقبة، فيما يمكن للقيادة والسيطرة الموحدة أن تحول المعلومات الميدانية إلى قرارات أسرع وأكثر فعالية، بينما يوفر تطوير الاتصالات الآمنة أساساً لحماية هذه المنظومة من الاختراق.

لكن الانتقال من مرحلة الدفاع والاستنزاف إلى مرحلة المبادرة لا يرتبط بسلاح واحد، وإنما يتطلب بناء منظومة متكاملة تتداخل فيها القوة الجوية والبرية والبحرية والدفاع الجوي والاستخبارات والاتصالات واللوجستيات.

كما أن أي تحول عسكري مستدام يحتاج إلى قرار سياسي واضح، وإدارة موحدة للموارد، واستمرارية في التدريب والتأهيل، وقدرة على الحفاظ على الجاهزية لفترات طويلة.

وفي المقابل، يبدو أن الحوثيين يدركون حساسية هذه المرحلة، ولذلك فإن استمرار التصعيد قد يكون جزءاً من محاولة لمنع القوات الحكومية من استكمال إعادة بناء مؤسساتها وقدراتها، وإبقائها تحت ضغط دائم.


معادلة جديدة تنتظر الاختبار

وفي المحصلة، فإن دخول قدرات جوية جديدة إلى الخدمة لدى القوات الحكومية لا يعني بمفرده انقلاباً فورياً في موازين القوى، لكنه قد يمثل بداية لإعادة تشكيل أدوات الردع إذا ما ترافق مع توحيد القرار العسكري وتطوير منظومات القيادة والسيطرة والاستخبارات والاتصالات.

وبينما يحتفظ الحوثيون بعوامل قوة اكتسبوها خلال سنوات الحرب، تواجه القوات الحكومية تحدي تحويل القدرات المتاحة إلى منظومة عسكرية متماسكة قادرة على العمل وفق رؤية واحدة.

ومن هنا، قد يكون الاختبار الحقيقي خلال المرحلة المقبلة ليس في حجم الأسلحة التي يمتلكها كل طرف، وإنما في قدرته على دمج هذه الأسلحة ضمن منظومة عملياتية موحدة، وفرض إيقاع المعركة بدلاً من الاستجابة له.

فإذا تمكنت القوات الحكومية من تحقيق هذا التحول، فإن دخول الطائرات المسيّرة وتطوير القوة الجوية قد يتجاوز كونه إضافة تسليحية محدودة، ليصبح جزءاً من مسار أوسع لإعادة بناء معادلة الردع في اليمن.