من مديرية سرار يافع بمحافظة أبين، ظهر الشاب أمجد إياد العمري، المعروف بلقب العالم على مواقع التواصل الاجتماعي بطريقة مختلفة؛ عفوية في الطرح، بسيطة في الأسلوب، وقريبة من الناس. لم يدخل أمجد عالم السوشيال ميديا بحثاً عن منصب أو نفوذ، ولم يكن يحمل خلفه مؤسسة أو فريقاً إعلامياً، وإنما بدأ بما يملكه: هاتفه، وأسلوبه العفوي، ورغبته في أن يقدم شيئاً بطريقته الخاصة.
ومع مرور الوقت، بدأت صفحته تكبر، واتسعت دائرة متابعيه، وأصبح اسمه حاضراً بين أبناء المنطقة، خصوصاً بما يقدمه من مواد خفيفة وأخبار ومواقف بطابع فكاهي وعفوي. كان أمجد يظهر كما هو، بلا تكلف ولا تصنع، يتحدث بطريقته، ويطرح ما يراه، ويترك للناس مساحة التفاعل معه.
لكن الشهرة حتى وإن كانت بسيطة، لها ثمن، ويبدو أن أمجد دفع من هذا الثمن كثيراً.
فمع اتساع حضوره بدأ الهجوم عليه يتسع أيضاً. وبحسب ما رواه مقربون منه، لم يعد الاختلاف مع أمجد يقتصر على ما ينشره، بل تحولت بعض الانتقادات إلى ملاحقة لكل ما يكتبه أو ينشره، ومحاولات للتقليل منه والسخرية من طرحه وعفويته، حتى أصبح الشاب يجد نفسه أمام موجة من الانتقادات لا تتناسب أحياناً مع طبيعة ما يقدمه.
كان ينشر مادة، فيجد من يهاجمه، وينشر موقفاً فتأتيه السخرية، وحين حاول أن يجعل من صفحته مصدر دخل بسيط يساعده في دراسته وحياته، لم يسلم حتى هذا الباب من الهجوم.
فقد بدأ أمجد بنشر الإعلانات على صفحته، مثل كثير من أصحاب الصفحات الذين يمتلكون قاعدة من المتابعين، وكان ما يحصل عليه من هذه الإعلانات يساعده في توفير بعض احتياجاته ومصاريف دراسته.
لم يكن الأمر بالنسبة إليه تجارة ضخمة أو بحثاً عن الثراء، وإنما مصدر دخل بسيط لشاب يدرس ويحاول الاعتماد على نفسه. لكن، بحسب أصدقاء له حتى الإعلانات لم تسلم من الهجوم؛ فكلما نشر أمجد إعلاناً، وجد من يهاجمه وينتقده، حتى أصبح الأمر بالنسبة إليه مرهقاً، واضطر في نهاية المطاف إلى ترك هذا النشاط والتراجع عن نشر الإعلانات.
وهنا تبدأ الحكاية التي تستحق أن نتوقف عندها قليلًا. شاب لديه صفحة، ولديه متابعون، ولديه فرصة بسيطة لكسب بعض المال من خلالها، لكنه وجد نفسه يترك ذلك الطريق بسبب ما تعرض له من هجوم متكرر، ثم يبحث عن وسيلة أخرى ليؤمن بها مصاريف دراسته ويساعد أسرته.
ومن أبرز المواقف التي مر بها أمجد، أنه نشر في وقت سابق مناشدة لامرأة فقدت زوجها وأبناءها في حادث مروري مأساوي، وكانت تحاول إيصال صوتها والمطالبة بإنصافها ورفع الظلم الذي قالت إن أسرتها تعرضت له عقب الحادث.
وبحسب ما رواه مقربون من أمجد، لم يكن الشاب طرفاً في القضية، لكنه رأى امرأة فقدت أسرتها، تبحث عن من يوصل صوتها، فاختار أن يمنحها مساحة عبر صفحته.
ويقول المقربون إن نشر المناشدة وما رافق القضية من تداعيات وضغوط وتهديدات، بحسب ما نقلوه، دفع أمجد إلى الابتعاد لفترة عن مواقع التواصل الاجتماعي، قبل أن يعود إليها لاحقاً.
عاد أمجد كما كان؛ عفوياً، بسيطاً، ينشر الأخبار والمواقف الفكاهية، ويحاول أن يتعامل مع الناس بطبيعته التي عرفوه بها، وكأن ما مر به لم يكن كافياً ليغير شخصيته أو يدفعه إلى التخلي عن حضوره.
لكن الهجوم لم يتوقف وخلال وجوده في عدن لمواصلة دراسته، صادف أمجد واقعة إطلاق نار وقام بتوثيق ما شاهده بعدسته.
وبحسب ما نشر عنه، جرى توقيفه عقب الواقعة وتفتيش هاتفه، كما تعرض، وفق ما نقلوه، لضغوط وتهديدات على خلفية عملية التوثيق. وبعيداً عن تفاصيل هذه الواقعة التي تحتاج إلى توضيح من الجهات المعنية، تبقى قصة أمجد أكبر من مجرد حادثة أو منشور لأنها قصة شاب يحاول أن يعيش حياته، ويواصل دراسته، ويبحث عن مصدر رزق، بينما يجد نفسه في كل مرة أمام موجة جديدة من الضغوط والانتقادات.
ومؤخراً، وفي مشهد ربما يلخص جانباً كبيراً من حكايته، عاد أمجد إلى العمل من خلال طاولة صغيرة أقامها في أحد شوارع عدن، محاولاً توفير مصاريف دراسته ومساعدة والده ووالدته بما يستطيع.
تأملوا هذه الصورة قليلاً. شاب كان قبل فترة يظهر على شاشة الهاتف، يتابعه الناس، وينشر الإعلانات، ويحاول أن يجعل من صفحته مصدر دخل يساعده، ثم وجد نفسه اليوم يقف خلف طاولة صغيرة في أحد شوارع عدن. لم ينتظر وظيفة.
لم يمد يده لأحد. ولم يجعل ظروفه مبرراً للتوقف عن الدراسة. اختار أن يعمل بما يستطيع. وربما لا يعرف كثيرون أن هذه الطاولة الصغيرة تخفي خلفها حكاية أكبر من حجمها حكاية شاب يريد أن يكمل دراسته، ويعين والده ووالدته، ويعتمد على نفسه، لكنه في كل مرة يحاول أن يجد باباً للرزق يجد من يحاول إغلاقه بالكلمة أو السخرية أو الهجوم.
آخرون دخلوا السوشيال ميديا بحثاً عن الإعلانات، وآخرون بحثوا عن الشهرة، وآخرون حولوها إلى مشاريع تجارية ومصادر دخل، بينما أمجد، الذي كانت صفحته قادرة على أن تكون مصدر رزق بسيط له، اضطر إلى الابتعاد عن الإعلانات، ثم خرج إلى الشارع يبحث عن رزقه بيده.
من شاشة الهاتف إلى طاولة الشارع..هذه ليست مجرد نقلة في المكان بل حكاية شاب يحاول أن يتمسك بكرامته ومستقبله. فلماذا يُحاصر هذا الشاب بالنقد بدل أن يُشجَّع؟ ليس المطلوب أن يتفق الجميع مع أمجد، ولا أن تعجبهم كل منشوراته أو أفكاره. الاختلاف حق، والنقد حق، والمراجعة حق، وحتى رفض بعض ما يطرحه حق مشروع. لكن هناك فارقاً كبيراً بين النقد والتنمر، وبين مناقشة الفكرة وتحويل صاحبها إلى هدف دائم للسخرية. إذا لم يعجبك منشوره فتجاوزه.
إذا اختلفت مع فكرته ناقشه. إذا رأيت خطأ صححه. لكن لا تجعل من كل إعلان ينشره مناسبة للهجوم، ولا تجعل من عمله مادة للسخرية، ولا تحاول أن تكسر شاباً يحاول أن يبني مستقبله.
أمجد في النهاية ليس مسؤولاً كبيراً ولا صاحب نفوذ ولا رجل أعمال يملك الملايين.
إنه شاب يدرس، ويحاول أن يعمل ويساعد أسرته ويصنع لنفسه طريقاً في ظروف صعبة.
وربما تكون الصورة التي تستحق أن تنتشر عنه اليوم ليست صورته وهو يحمل هاتفه أمام الكاميرا، ولا صورته وهو ينشر مادة على صفحته، وإنما صورته وهو يقف خلف طاولته الصغيرة في أحد شوارع عدن، يحاول أن يكسب رزقه بيده.
وربما لو اقتربنا منه قليلاً، لوجدنا خلف تلك الابتسامة العفوية الكثير من التعب، وخلف ذلك النشاط الكثير من القلق، وخلف كل منشور قصة شاب يحاول أن يجد لنفسه مكاناً في هذه الحياة.
قد لا يعرف الذين يهاجمونه كم يحتاج الطالب إلى مصاريف يومية، ولا كم تكلفه الدراسة بعيداً عن أهله، ولا كم مرة يفكر الشاب في والده ووالدته وهو يحاول أن يوفر احتياجاته بنفسه.
هم يرون منشوراً وهو يرى وراء المنشور مصروف يوم. هم يرون إعلاناً وهو يرى فيه فرصة لشراء احتياجاته. هم يرون طاولة صغيرة. وهو يراها وسيلة ليكمل دراسته ويحافظ على كرامته ويساعد أسرته.
ولهذا، فإن أمجد لا يحتاج إلى شفقة بقدر ما يحتاج إلى إنصاف. وإن كان هناك من لا يستطيع مساعدته، فليتركه يعمل بسلام. وإن كان هناك من لا يعجبه محتواه فليختلف معه دون أن يؤذيه.
وإن كان هناك من يرى في عمله شيئاً بسيطاً فليتذكر أن الإنسان لا يُقاس بحجم الطاولة التي يقف خلفها، وإنما بقدرته على الوقوف رغم الظروف.
فمن يملك الشجاعة ليعمل من أجل مستقبله لا يستحق أن يُكسر بكلمة. وأمجد العالم قد يختلف معه البعض في الطرح والأسلوب، وقد لا تعجبهم عفويته، لكن من الصعب الاختلاف على أن شاباً يواصل دراسته، ويحاول أن يعمل، ويسعى إلى إعانة والده ووالدته، ويصر على الاعتماد على نفسه، يستحق كلمة تشجيع لا كلمة هدم.
ربما يكون أمجد اليوم واقفاً خلف طاولة صغيرة، لكن الطموح الذي يحمله أكبر من تلك الطاولة بكثير. وربما تكون هذه المرحلة التي يراها البعض موضعًا للسخرية، هي نفسها التي سيتذكرها أمجد يوماً بفخر، عندما يحقق حلمه ويقول: كنت أدرس وأعمل،ولم أخجل من لقمة عيشي.
يا أمجد.. لا تخجل من طاولتك. لا تخجل من عملك. لا تخجل من محاولتك مساعدة والديك. ولا تجعل كلمات المتربصين تقنعك بأن العمل عيب.
فالعيب ليس أن تعمل بيدك، والعيب ليس أن تبدأ من الصفر، والعيب ليس أن تبحث عن رزقك بالحلال. العيب أن يرى الإنسان شاباً يكافح من أجل دراسته وأسرته، ثم يختار أن يكسره بدل أن يشجعه.
استمر يا أمجد.. ودعهم يتحدثون. فربما لا يعلمون أن وراء تلك الطاولة الصغيرة شاباً يكتب بصمته قصة كفاح، وأن ما يبدو لهم اليوم مجرد طاولة في شارع، قد يكون غداً أول صفحة في قصة نجاح كبيرة.