آخر تحديث :الخميس-06 أغسطس 2026-11:12م
أخبار المحافظات

أعلام دثينة .. المناضل الكبير محمد ناصر الجعري (1917–2002م)

الخميس - 06 أغسطس 2026 - 09:24 م بتوقيت عدن
أعلام دثينة .. المناضل الكبير محمد ناصر الجعري (1917–2002م)
المصدر: (عدن الغد) خاص

يُعد المناضل محمد ناصر الجعري واحدًا من أبرز رواد المقاومة الوطنية في جنوب اليمن، وأحد أوائل من حملوا السلاح في مواجهة الاحتلال البريطاني قبل اندلاع ثورة الرابع عشر من أكتوبر بسنوات طويلة، حتى عُرفت حركته في الأوساط الشعبية باسم "ثورة الجعري"، لما أحدثته من أثر في إشعال روح المقاومة وإحياء الأمل في التحرر.


*النشأة والبدايات


وُلِد محمد ناصر الجعري عام 1917م في قرية أمهيدان بولاية دثينة، إحدى ولايات الجنوب العربي آنذاك. ونشأ في كنف والده الذي غرس فيه معاني الشجاعة، ونصرة المظلوم، وإغاثة المحتاج، وكراهية الظلم والاستبداد، فشبّ قوي العزيمة، رافضًا لكل صور التهميش والهيمنة الأجنبية.

وعندما شاهد للمرة الأولى دخول القوات البريطانية إلى ولاية دثينة وإقامتها معسكرًا في منطقة الخديرة، امتلأ قلبه بالغضب، وعقد العزم على مقاومتها، فبدأ نشاطه المسلح عام 1946م، في وقت كانت فيه المقاومة المنظمة لا تزال محدودة.


*الاعتقال والهروب من السجن


نفذ الجعري عدة عمليات ضد قوات الاحتلال، غير أن الوشاية به أدت إلى اعتقاله ونقله إلى سجن بحرين بمدينة زنجبار، حيث قضى قرابة عام كامل.

لكن روحه الحرة أبت الاستسلام، فتمكن من فك إحدى حلقات القيد المثبتة في ساقه، ثم ألقى بنفسه من أعلى طابق في السجن في عملية هروب جريئة، وقطع مسافات طويلة سيرًا على الأقدام متجهًا إلى قريته، بينما كانت قوات الاحتلال تلاحقه دون أن تتمكن من القبض عليه.

ولم يمكث في قريته إلا وقتًا يسيرًا، إذ أعلن لأهله عزمه على التوجه إلى لواء البيضاء بحثًا عن الدعم لمواصلة الكفاح ضد الاحتلال البريطاني وأعوانه.


*تأسيس حركة المقاومة


في البيضاء التقى بالشيخ صالح بن ناجي الرويشان، حاكم البيضاء، الذي رحب به ووعده بتقديم العون والدعم.

ومن هناك بدأ بتجميع الأنصار من مختلف القبائل، ومنهم: آل المجعلي، وشقفة، وآل السعيدي، وآل القارمي، وآل بن دحة العولقي، وآل المحوري، وآل باكازم، وآل الصالحي الميسري، والشعوي، والدماني، والشنيني في السيلة بالبيضاء.

وبدأت مجموعاته بشن غارات متكررة على معسكرات الاحتلال البريطاني ومقار الحكومة في دثينة والعواذل والفضلي وبيحان، واستمرت عملياتها سنوات عديدة، وأسهمت في توسيع رقعة المقاومة، وبث الروح الوطنية في نفوس أبناء الجنوب، وترسيخ الإيمان بإمكانية مواجهة الإمبراطورية البريطانية.

وقد حظيت عمليات المقاومة باهتمام إعلامي عربي، حتى أصبحت إذاعة صوت العرب في القاهرة تذيع أخبار عملياتهم الفدائية بصوت المناضل حسين محفوظ، بالتزامن مع تصاعد المد القومي بقيادة الرئيس جمال عبد الناصر.


*الدفاع عن ثورة سبتمبر


مع قيام ثورة السادس والعشرين من سبتمبر عام 1962م، سارع محمد ناصر الجعري ورفاقه إلى الدفاع عن الجمهورية الوليدة، وكان له دور بارز في تنظيم وإرسال أعداد كبيرة من أبناء الجنوب عبر البيضاء إلى صنعاء للالتحاق بصفوف المدافعين عن الثورة.


*المشاركة في تأسيس الجبهة القومية


في أغسطس 1963م، اختير ممثلًا عن فصيل القبائل ضمن الفصائل الست التي توحدت لتشكيل الجبهة القومية لتحرير الجنوب العربي المحتل، والتي قادت فيما بعد ثورة التحرير حتى الاستقلال.

دعم ثورة الرابع عشر من أكتوبر

بعد انطلاق الثورة من جبال ردفان، شارك مع الرئيس قحطان محمد الشعبي، والمناضل ناصر علوي السقاف، والمناضل الخضر عبدالله الجعري، والمناضل محمد عبدالله المجعلي في الحصول على أسلحة من القيادة المصرية.

ونُقلت تلك الأسلحة إلى منطقة درب ذي ناعم بلواء البيضاء، ومنها جرى توزيعها على فدائيي جبهة ردفان بمحافظة لحج، وجبهة فحمان بمحافظة أبين.

كما تولى قيادة إحدى الفرق العسكرية في جبهة فحمان، وقاد العديد من العمليات الفدائية ضد قوات الاحتلال.


*مهمة مكرم محمد أحمد


في مطلع عام 1964م، اضطلع بمهمة وطنية بالغة الخطورة، إذ تولى تأمين وصول الصحفي المصري مكرم محمد أحمد سيرًا على الأقدام من البيضاء إلى جبهة فحمان، برفقة المناضلين علي ناصر محمد، ومحمد علي هيثم، وناصر علوي السقاف.

واطلع الصحفي المصري ميدانيًا على نشاط الفدائيين، ووثق عملياتهم العسكرية، ومن بينها إسقاط ثلاث طائرات بريطانية، وهي من أبرز الإنجازات العسكرية التي حققتها الثورة في تلك المرحلة.

وعقب انتهاء مهمته، قاد محمد ناصر الجعري عملية إخراجه بأمان، بمشاركة المناضلين عبدالله محمد العبيدي، وهميش حسن الملوث، وعبدالنبي عبدالله الجعري، حتى وصل إلى منطقة حدة، ثم واصل طريقه على ظهر جمل وفره المناضل ناصر العطروس حتى عاد سالمًا إلى لواء البيضاء.


*الإصابة في معركة الاستقلال


ظل المناضل محمد ناصر الجعري في ميادين القتال حتى الأيام الأخيرة من الثورة، مشاركًا في أعنف المواجهات التي سبقت جلاء الاحتلال البريطاني عن الجنوب.

وفي 5 نوفمبر 1967م، وهو اليوم الذي شهد في شمال اليمن حركة الخامس من نوفمبر التي أُقصي فيها الرئيس عبدالله السلال، وتولى بعدها عبدالرحمن الإرياني رئاسة الدولة، أُصيب محمد ناصر الجعري إصابة بالغة أثناء المعارك الدائرة في مدينة الشيخ عثمان بعدن، في آخر المعارك الفاصلة التي مهدت لنيل الاستقلال في 30 نوفمبر 1967م.

واستقرت الرصاصة في عموده الفقري، فأصابته بشلل نصفي أقعده عن مواصلة القتال، وكانت إصابته قبل خمسة وعشرين يومًا فقط من اليوم الذي ظل يناضل سنوات طويلة من أجل أن يراه يتحقق.


*رحلة العلاج


بعد الاستقلال أوفد لتلقي العلاج في عدد من الدول، شملت إثيوبيا وألمانيا والمملكة المتحدة ومصر، أملاً في التخفيف من آثار الإصابة، غير أن الشلل ظل ملازمًا له حتى وفاته، وبقي جسده شاهدًا حيًا على ما بذله من تضحيات في سبيل حرية الوطن.


*دوره الوطني بعد الاستقلال


لم تُنهِ الإصابة رسالته الوطنية، بل واصل أداء دوره من موقع آخر.

وبحكم علاقاته الوثيقة برفاق الكفاح، وفي مقدمتهم الرئيس سالم ربيع علي (سالمين)، والرئيس علي ناصر محمد، ورئيس الوزراء محمد علي هيثم، والمناضل قحطان محمد الشعبي، كان يتدخل للإفراج عن المعتقلين الذين أوقفتهم الخلافات السياسية، ولا سيما بعد أحداث 22 يونيو 1969م، وقد أثمرت مساعيه في إطلاق سراح عدد من السجناء، إيمانًا منه بأن الثورة قامت من أجل الحرية لا من أجل تقييدها.

وكان منزله في عدن مقصدًا لقيادات الدولة ومناضلي الثورة، الذين اعتادوا زيارته في المناسبات الوطنية والأعياد، وفاءً لتاريخه النضالي وتقديرًا لمكانته بين رفاق السلاح.


*الوفاة


وفي سنواته الأخيرة تنقل في الإقامة بين دمشق وعدن، حتى وافاه الأجل في منزله عام 2002م، بعد مسيرة امتدت لأكثر من نصف قرن من الكفاح والتضحية.

لقد ترك المناضل محمد ناصر الجعري سيرة وطنية ناصعة، جسدت معاني الشجاعة والإيمان بالحرية والصمود في وجه الاحتلال، وسيظل اسمه حاضرًا في سجل رواد الحركة الوطنية اليمنية الذين مهدوا الطريق لاستقلال الجنوب، ودافعوا عن الثورة والجمهورية بإخلاص وتجرد.

رحم الله المناضل الكبير محمد ناصر الجعري، ورحم جميع شهداء ومناضلي الثورة اليمنية، وجزاهم عن وطنهم خير الجزاء، فقد كتبوا بدمائهم صفحات خالدة في تاريخ التحرر الوطني، ستظل موضع اعتزاز وإجلال لدى الأجيال المتعاقبة.



*أبو زين الوليدي