آخر تحديث :الأحد-02 أغسطس 2026-01:37ص
أخبار وتقارير

مركز تعز للدراسات: استكمال تحرير تعز يفتح الطريق نحو الاستقرار وإعادة بناء الدولة

السبت - 01 أغسطس 2026 - 10:57 م بتوقيت عدن
مركز تعز للدراسات: استكمال تحرير تعز يفتح الطريق نحو الاستقرار وإعادة بناء الدولة
المصدر: تعز (عدن الغد) خاص

عقد مركز تعز للدراسات اليمنية الخليجية، اليوم، ندوة علمية موسعة بعنوان «تعز.. الأبعاد الاستراتيجية لاستكمال التحرير وآفاق الاستقرار في اليمن»، وذلك في إطار جهوده البحثية الرامية إلى تقديم مقاربات علمية تساهم في استعادة الدولة وبناء الاستقرار.

وشهدت الفعالية التي نظمها المركز حضورًا لافتًا ضم مسؤولين حكوميين وعسكريين وسياسيين وباحثين وأكاديميين وصحفيين، في أجواء اتسمت بالحوار الجاد والمسؤولية الوطنية.

وفي الكلمة الافتتاحية للندوة، أكد اللواء الركن عبد الكريم الصبري، وكيل محافظة تعز لشؤون الدفاع والأمن، أن تعز بإعلانها المقاومة الشعبية منذ اللحظة الأولى لاقتحام جماعة الحوثي للمدن اليمنية في عام 2015، أفشلت مشروع الجماعة لإحكام قبضتها وسيطرتها على كامل اليمن، وكان هذا الإعلان بمثابة ناقوس خطر دق في أذن المليشيات بأن تعز يصعب إخضاعها، مما جعلها تدفع ثمناً باهظاً ليس دفاعاً عن نفسها فحسب، وإنما دفاعاً عن الجمهورية اليمنية.

وأشار الصبري إلى أن تعز تعد محور ارتكاز لليمن شمالاً وجنوباً بحكم موقعها الجغرافي ومكانتها في المعادلة الوطنية سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً، وغالباً ما يُنظر إليها باعتبارها سفينة النجاة ومفتاح الاستقرار والتقدم لليمن الكبير.


وتطرق الوكيل إلى الموقف الأخوي للمملكة العربية السعودية، الذي تجلى منذ البداية في دعم المقاومة بالسلاح والعتاد عبر الإنزال المظلي في مناطق متفرقة من المحافظة، بالإضافة إلى الدعم المادي والعسكري والموقف الثابت إلى جانب الشرعية الجمهورية.


وفيما يتعلق بالأهمية الاستراتيجية للمحافظة، أوضح أن استكمال تحرير تعز يمثل نقطة تحول محورية في الصراع اليمني نظراً لموقعها الذي يتوسط اليمن ويربط الشمال بالجنوب، كما يعد فك الحصار عنها مفتاحاً رئيسياً لتأمين البلاد وتأمين الملاحة الدولية في باب المندب من خلال قطع خطوط الإمداد للمليشيات الحوثية.


أما في البعد الاقتصادي، فقال إن تحرير تعز يفتح شرايين وطنية هامة ويسمح بتدفق السلع بانسيابية، ويحرم المليشيا من اقتصاد الحرب عبر سيطرة القوات المسلحة على المنافذ والموانئ في المحافظة. وفي البعد السياسي والسيادي، أشار إلى أن تعز تُعد العاصمة الثقافية لليمن وتضم أكبر تجمع حضري وكثافة سكانية كان لها حضور بارز في التصدي للمشروع الانقلابي، وهي حلقة وصل بين الشمال والجنوب، كما أن السيطرة على مرتفعاتها المطلة على باب المندب تمنح التحالف ودول المنطقة ضمانات إضافية لحرية الملاحة البحرية.


واختتم الصبري كلمته بالإشارة إلى أن القرارات الرئاسية الأخيرة للرئيس الدكتور رشاد العليمي لاقت إشادة وتأييداً واسعاً في تعز من خلال مسيرات داعمة للسيادة ومؤيدة لتلك القرارات.


من جهته، ألقى اللواء الركن سمير الحاج، مساعد وزير الدفاع للسياسات العامة والتعاون الدولي، كلمة نقل فيها تحيات وزير الدفاع والقيادة السياسية، مؤكداً أن تعز فضلها على الجميع، فقد قادت مقاومة المد الحوثي منذ اليوم الأول، ولا تزال حتى اليوم تقود جهود استكمال التحرير سياسياً وعسكرياً.



وأشار إلى أن المحافظة تعرضت لكثير من الإهمال وعدم الاهتمام الكافي، بينما أوغل الحوثي في إجرامه حتى منع الماء عن المدينة. وأشاد بالحلفاء الأشقاء في التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية الذين قدموا منذ اللحظة الأولى جهوداً كبيرة لفك الحصار عن هذه المدينة الصامدة.


وقال إن معادلة تعز أصبحت أفضل وذات اهتمام خارجي متزايد، فهي محور ارتكاز يدركه الأشقاء والأصدقاء وحتى العدو قبل الصديق، مستذكراً قول الرئيس الراحل عبد ربه منصور هادي إن «ميزتكم أنكم وقعتم في صدر اليمن، فأنتم أساس الدفاع عن الشرعية والوطن».


وأضاف أن الأشقاء في المملكة وقوات التحالف يشعرون بكل جدية بأهمية محافظة تعز وأبنائها وبعدها الاجتماعي، وهناك روح من الجدية والمصداقية في التعامل معها باعتبارها بوصلة اليمن. ودعا إلى تثبيت مداميك هذه المحافظة الرائعة بدلاً من المشاريع المتفرقة والمتشعبة التي لا تنتج إلا مزيداً من الضياع، مشدداً على أن الحوثي يدرك جيداً أن التهديد الحقيقي سيأتي في النهاية من تعز كما حدث في مرات سابقة.


عقب ذلك، استعرض الباحث أحمد الجبيحي الورقة البحثية الأولى للمركز بعنوان «كيف يشكل استكمال تحرير تعز مفتاحاً لإنهاء الأزمة اليمنية؟»، والتي اعتمدت منهج تحليل السياسات العامة ودراسة الحالة، مستندة إلى تقارير السلطة المحلية والأجهزة الرسمية وإحصاءات المنظمات المحلية والدولية ومقابلات مع خبراء ومسؤولين.


وركزت الورقة على أن تعز تمثل العقدة المركزية في معادلة الحرب والسلام، وأن أي مشروع لاستعادة الدولة سيظل ناقصاً ما لم يتعامل معها كأولوية وطنية نظراً لموقعها الذي يربط المرتفعات الوسطى بالساحل الجنوبي الغربي.


وأبرزت الورقة النموذج المؤسسي للدولة في تعز، حيث جرى استيعاب أكثر من ثلاثين ألف مقاتل من المقاومة ضمن قوام الجيش الوطني منذ البداية، مما منع تشكل مجاميع مسلحة خارج إطار الدولة، واستمرار عمل الأجهزة الأمنية والقضائية والخدمية رغم الحصار، وتوريد نحو 98.85 مليار ريال للبنك المركزي في عدن خلال عام 2024 كدليل على الامتثال المالي، والحفاظ على هامش واسع من التعددية السياسية والمدنية والإعلامية.


وفي الأهمية الاستراتيجية، أوضحت الورقة أن استكمال التحرير يعزز شرعية مجلس القيادة الرئاسي والحكومة، وينهي أطول حصار في تاريخ اليمن الحديث، ويؤمن خطوط التماس بعيداً عن التجمعات السكانية، ويحرم الجماعة الحوثية من موارد تتجاوز 407 مليارات ريال سنوياً من الضرائب والجمارك في الحوبان، ويحمي خطوط الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب.


وفي المحور الأول حول «البعد المؤسسي لنموذج الدولة في تعز»، قدم الباحث ياسين العقلاني تحليلاً مفصلاً لتجربة المحافظة، حيث أوضح أن الحرب أفرزت في اليمن نماذج متعددة بعضها اتجه نحو تشكيلات مسلحة موازية وبعضها أنتج سلطات أمر واقع، إلا أن تعز سارت في اتجاه مختلف.


فعندما اقتحم الحوثيون المدينة في 2015 استولوا على معظم مؤسسات الدولة وقوات الشرطة والجيش، وانهارت المؤسسات الخدمية، وبقيت المحافظة بلا محافظ من مارس 2015 حتى يناير 2016.


لكن المقاومة الشعبية انطلقت من أحياء صغيرة، وتشكل مجلس تنسيق المقاومة كأول إطار تنظيمي بعيد عن الدولة، ثم نشأ المجلس العسكري واللجنة الأمنية. ومع تعيين علي المعمري محافظاً مدنياً في يناير 2016، أُعيد بناء الشرطة من مباني محررة بافتتاح أقسام جديدة، ونشأت ألوية الجيش تحت إطار الدولة ووزارة الدفاع دون أجهزة موازية.


وأكد العقلاني أن الجيش والشرطة في تعز لم يهيمنا على الحياة العامة ولم يتدخلا فيها، فلم يُعتقل صحفي ولا خُطف قيادي حزبي ولا أُغلقت أحزاب، وتجاوزا الفخاخ الاجتماعية باحتراف، وعاملا المؤسسات كأن المدينة في ظروف طبيعية.


وأشار إلى أن خدمة التعليم وصلت إلى نصف مليون طالب بأقل الإمكانات، وأن تعز احتفظت بمشهد سياسي ومدني أكثر حيوية من بقية المحافظات، مما يقدم نموذجاً عملياً لإمكانية بقاء مؤسسات الدولة حتى في ظل الصراع إذا توافرت الإرادة والدعم.


أما المحور الثاني حول «الكلفة الإنسانية وتدهور القطاعات الخدمية جراء استمرار الحصار على محافظة تعز»، فقد قدمه الباحث صلاح أحمد غالب، مستنداً إلى بيانات مركز المعلومات والتأهيل لحقوق الإنسان (HRITC) التي وثقت أكثر من 25,895 انتهاكاً أسفرت عن مقتل 4,442 مدنياً.


واستعرض أزمة المياه بوصفها إحدى أشد العقبات، حيث تقع معظم الحقول الرئيسية (الحيمة والحوبان والضباب وعصيفرة والحوجلة) خارج سيطرة الحكومة، وكانت توفر قبل الحرب نحو 21 ألف متر مكعب يومياً من أصل احتياج 50 ألف متر مكعب، مما دفع أكثر من 500 ألف نسمة إلى الاعتماد على صهاريج خاصة بتكاليف باهظة تجاوزت 60 ألف ريال للصهريج الواحد.



إلى ذلك، قدم الباحث سلمان المقرمي ورقة بحثية حول «احتمالات المعركة في تعز»، حذر فيها من أن الاستعداد الحالي معلق إلى حد كبير على العوامل الخارجية دون اهتمام كاف بالعوامل الذاتية والداخلية.



وعرض ثلاثة احتمالات: استمرار الوضع الحالي الذي يستنزف الشعب دون اندلاع حرب شاملة، أو احتمال تغير طاقم السلطة المحلية وجزء من الطاقم المركزي لقيادة أكثر ارتباطاً بالكتل الاجتماعية والسياسية الكبيرة كشرط أساسي للاستعداد، مؤكداً أن النصر يتطلب تفوقاً في الإعداد الشامل.


وشهدت الندوة مداخلات ثرية من عدد من المشاركين من المسؤولين والباحثين والصحفيين، الذين أكدوا في مجملها على أن استمرار وضع تعز الحالي يمثل تهديداً مباشراً للاستقرار الوطني وأمن ممرات البحر الأحمر، ودعوا الحكومة ومجلس القيادة الرئاسي إلى جعل تحرير تعز أولوية وطنية عاجلة.


كما طالبوا التحالف والمجتمع الدولي بإدراج فك الحصار ودعم مشاريع البنية التحتية (المياه والطاقة والطرق) وتوسيع برامج نزع الألغام ضمن أولوياتهم، وطالبوا السلطة المحلية والقطاع الخاص بتعزيز الحوكمة وبناء شراكات لإنقاذ الأمن المائي والخدمي.


وأجمع المشاركون على أن تعز هي الاختبار العملي الأبرز لقدرة الدولة على استعادة وظائفها، وأن استكمال تحريرها مع خطة شاملة للإعمار والتنمية يمثل نقطة التحول الفعلية نحو إنهاء الأزمة اليمنية، دون أن يعني ذلك معالجة شاملة فورية لكل ملفات الحرب، لكنه يفتح الباب أمام مسار استراتيجي جديد يعيد بناء الثقة ويحرم جماعة الحوثي من مصادر قوتها الاقتصادية والعسكرية.