اختُتمت بطولة كأس العالم 2026 بفوز إسبانيا باللقب، ولكن المنافسة على جائزة «الكرة الذهبية» -وهي أرفع جائزة فردية في العام- لا تزال مفتوحة دون فائز واضح. قد يكون للأداء في أميركا الشمالية تأثير كبير، ولكن في نهاية المطاف، يُحسَم الفوز بـ«الكرة الذهبية» بناءً على الأداء العام طوال الموسم.
يحلم كل لاعب بأن يحصد جائزة «الكرة الذهبية»، وفي كثير من الأحيان تكون المحفز الأساسي للاعبين، وبعضهم يتأثر سلباً عند خسارة هذه الجائزة المرموقة، ولعل المثال الأحدث على ذلك فينيسيوس جونيور وما حدث له بعد فقدان الجائزة عام 2024.
من المقرر إقامة حفل توزيع جوائز «فرنس فوتبول» في 26 أكتوبر (تشرين الأول) في لندن. وقبل التصويت، يُعد هاري كين، ورودري، ولامين يامال، وكيليان مبابي، وليونيل ميسي، أبرز المرشحين للفوز بهذه الجائزة السنوية.
هاري كين
أحرز هاري كين 73 هدفاً في 64 مباراة مع ناديه ومنتخب بلاده (ثاني أكثر المواسم تسجيلاً للأهداف لأي لاعب في التاريخ، بعد الموسم الاستثنائي الذي سجَّل فيه ليونيل ميسي 82 هدفاً في 2011- 2012) وهو ما يعد إنجازاً هائلاً للَّاعب الذي جلس يوماً ما على مقاعد البدلاء إلى جانب جيمي فاردي في دوري الدرجة الأولى الإنجليزي.
لم يكن هاري كين موهبة فذة في سن المراهقة كبعض اللاعبين الآخرين في هذه القائمة، ولكنه وصل الآن إلى قمة كرة القدم العالمية وهو في الثالثة والثلاثين من عمره. سجَّل هاري كين ما لا يقل عن 24 هدفاً في كل موسم من المواسم الاثني عشر الماضية، وفاز بجائزة «الحذاء الذهبي» مرتين متتاليتين في الدوري الإنجليزي الممتاز، وجائزة «الحذاء الذهبي» لكأس العالم، وجائزة «الحذاء الذهبي الأوروبي» مرتين، لذا من الغريب للغاية أنه لم يسبق له أن احتل مركزاً أعلى من العاشر في التصويت على جائزة «الكرة الذهبية».
دائماً ما كان هاري كين يحقق أرقاماً كبيرة، ولكنه الآن يضيف إليها الألقاب والبطولات، فقد انتهت تلك السنوات العجاف مع توتنهام هوتسبير، وقاد بايرن ميونيخ للفوز بالدوري الألماني الممتاز العام الماضي، وكان هذا الانتصار بمثابة انطلاقة جديدة بالنسبة له. وبعد ذلك، تُوِّج بلقب آخر في الدوري الألماني الممتاز هذا الموسم، إلى جانب كأس ألمانيا وكأس السوبر الألماني.
لم ينجح المنتخب الإنجليزي في الفوز بكأس العالم، ولكن قائده سجل 6 أهداف، وتجاوز غاري لينيكر ليصبح هداف إنجلترا التاريخي في المونديال، وهو ما ضمن له البقاء في المنافسة على جائزة «الكرة الذهبية».
لامين يامال
قال لامين يامال في فبراير (شباط) بعد تسجيله أول ثلاثية (هاتريك) في مسيرته الكروية، في المباراة التي فاز فيها برشلونة بأربعة أهداف مقابل هدف وحيد على فياريال: «الأمر يتعلق بالهدوء. عندما أكون في منطقة الجزاء والكرة معي، أقرر ما سيحدث». قد يبدو هذا الكلام غروراً لمعظم اللاعبين في التاسعة عشرة من عمرهم، ولكن يامال ليس كغيره من اللاعبين. وقد قدَّم دليلاً إضافياً على تميزه هذا الصيف، بعدما أصبح أول لاعب يصل إلى نهائي بطولتَي كأس الأمم الأوروبية وكأس العالم قبل بلوغه العشرين من عمره. ولم يكتفِ بذلك؛ بل فاز بالبطولتين.
صحيح أنه سجَّل هدفاً واحداً فقط في كأس العالم، وهو إنجاز متواضع بالنظر إلى إمكاناته العالية، إلا أنه كان مؤثراً طوال البطولة، فقد حصل على ركلة جزاء حاسمة في نصف النهائي ضد فرنسا، وقام بمراوغات ناجحة أكثر من ميسي طوال البطولة، وكان له دورٌ في التغلب على دفاع الأرجنتين الذي كان مصمماً على جرِّه إلى مواجهة بدنية في النهائي. كل هذا حققه بعد أن دخل البطولة وهو يعاني من إصابة في أوتار الركبة.
وقال جو هارت بعد المباراة النهائية: «لامين يامال يبلغ من العمر 19 عاماً. يا له من يوم جميل بالنسبة له! لقد بلغ التاسعة عشرة من عمره وأكمل مسيرته الكروية». أضف إلى ذلك تسجيله 24 هدفاً وصناعته 18 تمريرة حاسمة في 45 مباراة مع برشلونة؛ حيث قاد العملاق الكاتالوني للفوز بلقب الدوري الإسباني الممتاز وكأس السوبر الإسباني، ليصبح لديه فرصة قوية لتحقيق إنجاز أفضل من حصوله على المركز الثاني في جائزة «الكرة الذهبية» العام الماضي.
رودري
قال جوسيب غوارديولا في أكتوبر الماضي، عندما عاد قائد مانشستر سيتي إلى الملاعب بعد تعافيه من إصابة في الرباط الصليبي الأمامي: «سنرى رودري الحقيقي في كأس العالم». كانت هناك شكوك حول قدرة اللاعب الفائز بـ«الكرة الذهبية» لعام 2024 على استعادة أفضل مستوياته. ولكن، كما هي الحال في معظم الأمور في عالم كرة القدم، كان غوارديولا محقاً. وكان رودري بمثابة القلب النابض لمنتخب إسبانيا؛ إذ كان يُسيطر على مجريات المباريات، ويُحكِم قبضته على الكرة، ويُحبط كل تهديد يُواجه خط دفاع منتخب بلاده؛ إذ لم تستقبل إسبانيا سوى هدف واحد في مبارياتها الثماني في البطولة.
أكمل رودري 756 تمريرة (أكثر من أي لاعب آخر في البطولة)، كما تصدَّر قائمة اللاعبين الأكثر لمساً للكرة، والتمريرات التي تخترق الخطوط، والتمريرات في الثلث الأخير من الملعب. وفي المباراة النهائية وحدها، أكمل 101 تمريرة، مُحكِماً قبضته تماماً على لاعبي الأرجنتين، لدرجة أنهم لم يُسددوا أي تسديدة على المرمى.
رفع رودري كأس العالم قائداً لإسبانيا، وفاز بـ«الكرة الذهبية» بوصفه أفضل لاعب في بطولة أمم أوروبا 2024، ويعد عنصراً حاسماً في أحد أندية كرة القدم الأكثر تميزاً، ليصبح رابع لاعب في التاريخ يفوز بكأس العالم، وبطولة كأس الأمم الأوروبية، وكأس أوروبا، و«الكرة الذهبية»، لينضم بذلك إلى جيرد مولر، وفرانز بيكنباور، وزين الدين زيدان.
كيليان مبابي
تنافس كيليان مبابي بشراسة مع زميله السابق في باريس سان جيرمان، ليونيل ميسي، في كأس العالم.
لقد تنافسا على الكأس، و«الحذاء الذهبي»، و«الكرة الذهبية»، وعلى مكان في سجلات التاريخ كأفضل هداف في تاريخ المونديال. فاز مبابي باثنتين من الجوائز الأربع، فبعدما سجل هدفين في مباراة تحديد المركز الثالث ضد إنجلترا، أصبح أول لاعب يفوز بـ«الحذاء الذهبي» مرتين.
كما رفع رصيده إلى 22 هدفاً في كأس العالم -متفوقاً بهدف واحد على ميسي- وأصبح أول لاعب يسجل أكثر من 9 أهداف في نسخة واحدة من كأس العالم، منذ مولر عام 1970.
ومع ذلك، لم يكن هذا ما يتمناه قائد المنتخب الفرنسي، الذي قال: «كنت أفضل ألا أكون هداف البطولة وألعب المباراة النهائية». لقد سجل كثيراً من الأهداف على المستوى المحلي الموسم الماضي، ولكنه لم يفز بأي بطولة.
سجَّل مبابي 42 هدفاً في 44 مباراة، منهياً الموسم هدافاً للدوري الإسباني الممتاز ودوري أبطال أوروبا، ولكنه لم يفز بأي من اللقبين. لقد سجل كثيراً من الأهداف، ولكن لم يحصد أي ميدالية. وكما يعرف هاري كين جيداً، فنادراً ما تكفي الأهداف وحدها للفوز بـ«الكرة الذهبية»!
ليونيل ميسي
جلس ليونيل ميسي وحيداً على أرضية ملعب يتسع لثمانين ألف متفرج، حافي القدمين، يحدق في الأفق، بينما يمرُّ لاعبو إسبانيا من حوله احتفالاً بالفوز بكأس العالم. لم تكن تلك هي الصورة المثالية التي تخيلها قائد الأرجنتين وهو ينهي مسيرته الدولية. وبالنظر إلى أدائه خلال الأسابيع التي استغرقها العرس العالمي، بدا وكأنه يستحق أفضل من ذلك، حتى وإن لم يكن فريقه كذلك.
توقع البعض أن تكون مشاركة ميسي في البطولة مجرد استعراض للماضي؛ نجم سابق يُستعان به في كأس العالم للمرة الأخيرة استعداداً لعيد ميلاده الأربعين. ولكنه فاجأ الجميع بتسجيله ثلاثية في المباراة الأولى للأرجنتين. وسجَّل هدفين في مرمى النمسا، ثم أضاف هدفاً آخر في مرمى الأردن. وفرض سيطرته على البطولة في دور المجموعات، وواصل قيادة الأرجنتين عبر الأدوار الإقصائية، بهدف في مرمى الرأس الأخضر، وهدف وتمريرة حاسمة أمام مصر، وتمريرة حاسمة أمام سويسرا، وتمريرتين حاسمتين أخريين ليُقصي إنجلترا من نصف النهائي. ولولا ثنائية مبابي في مباراة تحديد المركز الثالث الغريبة، لحصد ميسي جائزة «الحذاء الذهبي».
لكن هل يُمكنه الفوز بـ«الكرة الذهبية» بعد خسارة نهائي كأس العالم؟ تشير الأرقام والإحصائيات إلى أنه في 4 سنوات خلال الـ19 سنة الماضية، فاز بالجائزة لاعب لم يفز بدوري أبطال أوروبا، ولا كأس العالم، ولا دوري الأمم الأوروبية، ولا «كوبا أميركا» في العام نفسه. ولكن ميسي نفسه كان هو من فاز بثلاث منها.
من غير المرجَّح أن يفوز ميسي بـ«الكرة الذهبية» للمرة التاسعة، ولكن مجرد وجوده ضمن هذه القائمة -وهو في التاسعة والثلاثين من عمره ويلعب في الدوري الأميركي لكرة القدم بعد خسارة نهائي- دليل على عظمته.
المصدر / الشرق الأوسط