قال العمودي أحمد في وصف عدن قال
مدينة لا تشبه المدن في الحسن والجمال
حاضنة البحر والجبل في حضن واحد
وأميرة فوق الشواطئ تاجها الرمال
عدن بهجة الإشراق ونبض الأشواق
سحرها يسري في الروح بلا استئذان
إذا أشرق الصبح عناقت شمسها البحر
والسحب تقبل قمم الجبال الحسان
بحرها اللجي إبريق مسجور من نور
ورملها ذهب تلمسه الأنامل حنان
وماؤها الرقراق يغسل أحزان الزائر
ويرسم على الوجه البهجة والأمان
هي أم المدن وأصل الحضارة
ضاربة جذورها في عمق الزمان
شاهدة على بداية التاريخ
وستبقى شاهدة على آخر الأوان
الزائر لها يأتي مهموما فيعود ضاحكا
تنفض الحزن عنه نسمة الصباح
وتمشي على رمالها فكأنك
تسير فوق أنامل رقيقة مرتاح
وما أن تغيب الشمس حتى تضيء
قناديلها الليلية دروب الأمان
شوارع لا تعرف الخوف ولا الانكماش
ونزهة المساء فيها عرس للمكان
عدن جوهرة اليمن وثغرها الباسم
تهفو القلوب إليها شوقا وحنين
وكل مفردات اللغة تقف عاجزة
عن وصف دهشة العين والعين
سماها الشعراء نرجسة الخيال
محفورة في الجبال وممتدة الشطآن
مدينة السحر التي لا تنام
وعشق لا يسكن إلا في الوجدان
وقالوا عنها جوهرة وملتقى محبة
رمز التسامح والصفاء والعيش
تحتضن كل وافد إليها بصدر رحب
وتمنحه الدفء وتمسح عنه الريش
عدن حراب العشاق والشعر الحقي
هي الجنة ومنبع الفن والحنان
العشق الذي يرفض السر ويعلن
نفسه في كل بيت وفي كل لسان
حط رحالها رامبو وسعدي يوسف
وأدونيس والبردوني وأهل البيان
والقمندان ولطفي ويحيى عمر
وأبوبكر سالم وأيوب طارش وأهل الفن
البحر وحده يعرف أسماءهم
اختزن أشعارهم ودموعهم وزمان
أليس البحر في عدن أوفى منا
حين حفظ لنا الذكرى وصان
من خصائصها أن الداخل إليها
يشعر أنه عرفها منذ أزمان
ولو كانت الزيارة الأولى له
كأن بينه وبينها ميثاق وإيمان
شواطئها عروس وترابها هريسة
ترقد بين الجبل والبحر كالسلطان
سواحلها ذهبية وسماؤها فضية
وجبالها حديد وبحرها لون الريحان
عدن مدينة بلا سلاح وعطرها فواح
لا تسكنها الأشباح ولا الأحزان
الداخل مرتاح والخارج همه ثقيل
لأن قلبه يبقى معلق في المكان
الناس فيها سواسية لا فرق بينهم
لا شيخ إلا شيخ عثمان له الشان
وجوه رضية وقلوب نقية
ومشاعر ذكية وفهم بلا نقصان
شرابهم الشاي الملبن على مهل
وطعامهم زربيان وصيادية تسر الجان
وفي كل بيت ريحة البخور تفوح
وتملأ الأزقة عطرا وألحان
العجيب أن سائق الباص يركب الطالب
بلاش تقديرا لظرفه وللعلم والتبيان
هكذا عدن تعلم أبناءها الكرم
وتغرس فيهم حب الخير والإحسان
لا صخب فيها ولا ضجيج يزعج
همسها أهازيج وهواؤها ريحان
وفيها الصهاريج التاريخية تشهد
وقصر السلطنة يقص علينا البيان
وفي عدن كل موظف يحضر فطوره
من البيت ويجلس مع الرفاق إخوان
يفطرون سوية كالبنيان المرصوص
بيوتها صف واحد وعشرة وأمان
هي قبلة الاستقرار ولؤلؤة البحار
وفي كريتر منارة تهدي الحيران
واسمها عدن أي الإقامة والاستقرار
من سكنها نال أطيب الجيران
رقم صعب في حساب الدول العظمى
موقعها باب المندب وميزان
من ملكها ملك طريق التجارة
ومن خسرها خسر نصف الزمان
أقدم أسواق العرب وأول تلفزيون
وأول كهرباء وماء يدخل البيوتان
ورابع ميناء في العالم تجارة
وفي البريقة أقدم مصفاة للزيتان
فنها وصل من المحيط إلى الخليج
وصوتها دوى في كل مكان
فيها مسجد في كل حي وكنيسة
والتعايش دينها منذ الأزمان
في معصمها ساعة بج بن الصغرى
لا مثيل لها إلا في لندن يا إنسان
وشرق وغرب التقيا على شطها
عربي وهندي وانجليزي وفرنسيان
لو تكلم جمال الروح لقال هنا
في قلب المرأة العدنية المكان
البخور والرائحة والذوق الرفيع
والحياء المزين بالحسن والإتقان
قبلة المبدعين والسياسيين
والمؤرخين والبحارة والفنان
مدينة نضالات وانتصارات وذكريات
محفورة في القلب لا تمحى بزمان
للسعد فيها دار وللكرامة دار
وكريتر لؤلؤة في وسط المحار
وقلعة صيرة شامخة تحرسها
والقلوعة روعة والمنظر فتان
البريقة تاريخ وبها بريق النفط
والمنصورة صورة ترسمها الألوان
وخور مكسر تكسر من يعاديها
والمعلا من زارها بنى وعلا البنيان
والشيخ عثمان أمان يا ربي أمان
سموها فيتنام العرب في الميدان
لأن أهلها قاوموا الاستعمار
ودافعوا عن الأرض بكل إتقان
همسها دانة ودان على الشاطئ
لا مكان للقراصنة ولا للحيتان
وصوت البلابل فوق الغصن أجمل
من كل ضجيج ومن كل هذيان
عدن تبدأ الكلام بكلمة نعم
وتختمه بابتسامة ورضوان
سكانها ملائكة وقلوبهم بيضاء
وجهها بشوش ونغمها عطشان
من زارها زاره السعد وحل في دار
سعد وفرح القلب وسكن الجنان
فيها أطعم هريسة وأجود بخور
وأجمل شاطئ وأطيب سمك للإنسان
اسمها تردد من زمن الإغريق
إلى اليوم في الشعر وفي اللسان
ترسب في العقل وفي مسالك النفس
وصار جزء من الوجدان والكيان
يا مدينة لا تشبهها مدينة
يا عشق يسكن في العين والبنان
يا تاريخ يمشي على قدمين
ويا حاضر يليق بكل زمان
جبالك شموخ وبحرك وفاء
وصخرك صامد لا يلين ولا يهان
أعطيت الدنيا من خيرك الكثير
ولم تبخلي بعلم ولا بفنان
علمتنا أن الكبير يبقى كبيرا
وإن تكالبت عليه المحن والأحزان
وعلمتنا أن الأصيل أصيل
وإن طال به الغياب والهجران
اليوم تقفين على مفترق الطرق
ولكن عزك ما زال كما كان
لأن من ذاق طعمك لا ينساك
ومن شرب ماءك لابد أن يعود الآن
أكتب عنك بماء الذهب والدمع
لأن الحبر وحده لا يكفي البيان
أكتب عنك قصيدة لم تكتب
قبلي ولن تكتب بعدي في الأكوان
خمسون مقطعا في مدحك يا عدن
كل مقطع بحر وكل بيت برهان
أوثق لك التاريخ في صدر القصيد
حتى تقرأه الأجيال جيل بعد جيلان
أيتها المدينة التي فيك الشعر
وفيك المجد وفيك الأوطان
كيف أوفيك حقك وأنا قطرة
وأنت بحر لا يعرف النقصان
سأظل أغنيك حتى آخر العمر
وسأورث حبك للأبناء والأحفاد
حتى إذا سألوني من أنتم قلنا
نحن أبناء عدن أهل الجود والجود
عدن أنت الوجع الجميل فينا
وأنت الدواء وأنت العنوان
أنت الذاكرة التي لا تشيخ
وأنت الحلم الذي لا يخان
فيك تعلمنا معنى الحرية
ومعنى الأخوة ومعنى الأمان
وفيك تعلمنا أن الإنسان
بالإنسان أخ لا عبد ولا هان
يا ثغر اليمن الباسم الدائم
يا ضحكة على وجه الزمان
يا قبلة العاشقين والتائهين
ويا ملاذ الخائف والحيران
احفظك الله يا درة البحار
يا تاجا على رأس الأوطان
احفظ أهلها ورد لها مجدها
وأعد لها البهجة والأمان
يا رب اجعلها واحة سلام
واكفها شر الحقد والعدوان
واجعل أبناءها يد واحدة
يبنون مجدها بكل إحسان
سأختم القول وأنا فخور
أني من ترابك ومن بنيان
وأني شربت من مائك العذب
وأني عشقتك بكل كياني
هذه عدن في خمسين فصلاً
وثيقة مجد يسطرها الزمان
من قال غير هذا فليأت بمثلها
هيهات أن ينجب الدهر مثلها إنسان
قال العمودي أحمد خاتمة القول
عدن عشقي وعدن دمي وكياني
من لم يعشق عدن لم يعرف
معنى الوطن ولا معنى الحنان
بقلم ✍🏻 الشيخ أحمد سعيد أحمد آل الشيخ صالح العمودي
كُتبت يوم الأربعاء بتاريخ 22 / 6 جمادي الأولى / 1434هـ
الموافق تاريخ 3 / 4 أبريل / 2013م