عدن الغد: محمد يسلم اليافعي
تتحول مديرية رصد شرق أبين إلى لوحة قاحلة مع اشتداد موجة الجفاف غير المسبوقة هذا العام. سماء بلا مطر، وآبار جف لسانها، وأرض لم تعد تحتضن زرعًا. في المقابل، قفزت كلفة الحياة اليومية إلى أرقام تفوق طاقة الأهالي، بعد أن بات "الصهريج" عملة نادرة بثمن باهظ.
مديرية كاملة تبحث عن قطرة
لم تعد أزمة الماء في رصد موسمية عابرة. انحسرت الغيول، وتراجعت مناسيب الآبار الجوفية إلى مستويات خطرة، وتوقفت معظم السدود الترابية عن جمع مياه الأمطار بسبب شحها.
النتيجة: قرى بأكملها تعيش على ما تجلبه الناقلات من خارج المديرية. والمشهد اليومي المعتاد هو طوابير الدب والجراكن أمام نقطة تعبئة واحدة قد لا تكفي الجميع.
"نشتري الماء قبل الرز"، ، أحد سكان عزلة القارة. "الأولاد يذهبون للمدرسة بملابس لا تُغسل إلا مرة في الأسبوع، لأن الماء صار أغلى من الصابون".
عندما يصبح الصهريج عبئًا على الأسرة
الاعتماد الكلي على نقل الماء خلق سوقًا مشتعلة. الرقم الذي كان معتادًا قبل عامين - 18 ألف ريال لصهريج 20 ألف لتر - أصبح من الماضي.
اليوم، يبدأ السعر من 50 ألف ريال ويصل في العزل البعيدة إلى 75 ألف ريال، بحسب المسافة ووعورة الطريق. ومع توقف الرواتب وتدهور القوة الشرائية، يعني ذلك أن أسرة مكونة من 6 أفراد تحتاج إلى راتب كامل تقريبًا لتأمين ماء شهر واحد فقط.
النتيجة المباشرة: تقنين قاسٍ. استحمام أقل، غسيل أقل، وأحيانًا شرب من مصادر غير مأمونة لتوفير ثمن "الصهريج النظيف".
موجة الجفاف.. ما بعد الزرع والضرع
الضرر تجاوز كلفة الشراء:
1. نزوح صامت: عشرات الأسر تركت قراها في رصد وانتقلت إلى ضواحي لودر وزنجبار بحثًا عن بئر عام أو عمل مؤقت. القرى تفرغ شيئًا فشيئًا.
2. موت الموسم: مزارع البن والذرة الرفيعة التي كانت تميز رصد، احترقت أو يبست. مربو الأغنام باعوا قطعانهم بخسارة أو نفدت مواشيهم لعدم وجود ماء للشرب.
3. ضغط صحي: الأطباء في المركز الصحي بالمديرية يلاحظون زيادة حالات الجفاف عند الأطفال، والالتهابات الجلدية والمعوية بسبب استخدام مياه بديلة غير معالجة.
ماذا يطلب أبناء رصد الآن؟
صوت الناس اليوم ليس شكوى فقط، بل خطة طوارئ:
1. حلول سريعة: دعم عاجل لأسعار نقل الماء، وتسيير قاطرات مياه مجانية للأسر الأشد احتياجًا عبر السلطة المحلية والمنظمات.
2. حلول متوسطة: إعادة تأهيل آبار المديرية بالطاقة الشمسية بدل الديزل المكلف، وصيانة الحواجز المائية القديمة.
3. حلول استراتيجية: دراسة مشروع خزانات مائيه مركزية تغذي المديرية، وبرامج حصاد مائي تستعد لفصل الشتاء القادم.
يختصرها الشيخ عبدالله بقوله: "لا نريد وعودًا. نريد بئرًا تشتغل، أو صهريجًا بسعر نقدر عليه. الماء لم يعد رفاهية، الماء اليوم هو الحد الأدنى للبقاء".
كلمة أخيرة
رصد لا تموت عطشًا مرة واحدة، بل تموت قطرة قطرة. كل يوم تأخير في المعالجة يعني أسرة جديدة تنزح، ومزرعة جديدة تيبس، وطفلًا جديدًا يدخل المركز الصحي بسبب ماء ملوث.
السؤال الذي يطرحه الأهالي: إلى متى سيظل سكان رصد يدفعون ثمن العطش من قوت أبنائهم؟