من قرية البويب في أحضان مكيراس انطلقت الحكاية. هناك ولد، وهناك تربى، وهناك تشكلت ملامح الرجل الذي سيصبح لاحقاً مدرسةً في العطاء.
حين اشتد عوده وبلغ مبلغ الرجال، لم يرضَ بالجلوس. انطلق الشيخ هبيهب علي عمر المسبحي رحمه الله في مطلع ثمانينات القرن الماضي إلى المملكة العربية السعودية، باحثاً عن لقمة الحلال .
لم يبدأ من القمة، بل بدأ من القاع. خاض غمار المهن الشاقة، صابراً كالجبل، مثابراً كالنهر الذي يحفر في الصخر. حتى استقرت قدمه على مهنة تشغيل المعدات الثقيلة "الكرينات"... فأتقنها حتى صار يُشار إليه بالبنان.
وبعد غبار حرب الخليج، عاد إلى حضن الوطن. عاد لا يحمل مالاً فقط، بل يحمل خبرة السنين وسواعداً لا تعرف الكلل. استثمر علمه، وأس عمله، واستقر به المقام أخيراً في حضرموت أرض الخير وأهلها.
لكن هبيهب لم يكن تاجراً فحسب ... كان شيخاً
كان رجل مجتمع بامتياز. عرفه أبناء قبيلته ومديريته بثلاث لا تخطئ: كرمٌ يسبق السؤال، وبابٌ لا يُغلق دون محتاج، وقلبٌ يصلح بين الناس قبل أن تُسمع الخصومة.
من مغترب مكافح إلى رجل أعمال إلى شيخ كريم
هكذا كانت رحلته، رحلة كفاحٍ رسمتها العزيمة، وختمتها المروءة .
فترك خلفه سيرةً عطرةً وأثراً لا يُمحى في وجدان كل من عرفه.
أعماله؟ كانت وجوه خيرٍ لا تُعد :
1. عمّر بيوت الله فصدحت بالتكبير.
2. شجّع حفظة كتاب الله فأنار العقول.
3. دعم طلاب العلم فصنع الرجال.
4. وزع الصدقات فوصل خيره لأكثر البيوت حاجة.
5. شق الطرق وعبدها ومن أبرزها "طريق الشرف - البويب - مكيراس" الذي وصل القرى ببعضها، وخفف عن المريض ألمه، وعن الطالب مشقته. طريقٌ لم يكتمل عمره، لكنه اكتمل عطاؤه.
6. كفل الأيتام فكان لهم أباً بعد الأب.
لم يُحبّه الناس عبثاً ...
أحبوه لأنه كان متواضعاً كالتراب، قريباً منهم كالنبض. كان يسمع شكواهم قبل أن تُقال، ويحس بألمهم قبل أن يُشكى. يد الخير الممدودة... ما طرق بابه محتاج إلا وجد العون، وما اشتكى له مريض إلا كان له سنداً بعد الله.
رحل الجسد ... وبقي الأثر
في منتصف عام 2013م، ودّعنا الشيخ هبيهب في مصر، وعاد جثمانه الطاهر ليدفن في المكلا، في موكبٍ مهيب شهدته حضرموت كلها.
رحل الجسد، لكن المساجد لا تزال ترفع اسمه بالأذان، والمدارس لا تزال تخرج باسمه الرجال، والطريق لا يزال يحمل أقدام الداعين له.
صدق الصادق الأمين ﷺ: _"إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث... ومنها صدقة جارية"_، وقد ترك الشيخ هبيهب من الصدقات الجارية ما يكفيه شرفاً وذخراً.
نسأل الله أن يجعل قبره روضةً من رياض الجنة، وأن يبدله داراً خيراً من داره، وأهلاً خيراً من أهله، وأن يجزيه عن كل مريضٍ داواه، وكل طالبٍ علّمه، وكل مسافرٍ سهّل له الطريق، خير الجزاء.
رحمك الله يا شيخ هبيهب ... فالرجال تموت، والمآثر لا تموت. وسيظل صدى عطائك تردده الأجيال.