آخر تحديث :الجمعة-05 يونيو 2026-08:38ص
رياضة

اليمن بين كبار آسيا.. إنجاز يوحّد الجماهير ويوقظ الحلم

الجمعة - 05 يونيو 2026 - 07:26 ص بتوقيت عدن
اليمن بين كبار آسيا.. إنجاز يوحّد الجماهير ويوقظ الحلم
المصدر: عدن الغد/اكرم مثنى

في ليلة كروية حملت لليمنيين ما هو أبعد من معنى الفوز، كتب المنتخب الوطني اليمني صفحة مضيئة في تاريخ الرياضة اليمنية، بعدما حقق انتصارًا ثمينًا على نظيره اللبناني بهدفين دون رد، ليحجز مكانه في نهائيات كأس آسيا 2027، ويمنح ملايين اليمنيين لحظة نادرة من الفرح والوحدة والأمل.

لم يكن هذا التأهل مجرد عبور رياضي إلى بطولة قارية، بل كان لحظة وطنية جامعة أعادت البسمة إلى وجوه اليمنيين بعد سنوات طويلة أثقلت فيها الحرب قلوب الناس وأحلامهم. ففي بلد أنهكته المعاناة وتراكمت عليه الأوجاع، جاءت كرة القدم لتفتح نافذة فرح، وتؤكد أن الرياضة قادرة، ولو مؤقتًا، على جمع الناس حول حلم واحد وراية واحدة وشعور واحد.

لقد وصل المنتخب اليمني إلى هذا الإنجاز في ظروف بعيدة عن المثالية، ووسط تحديات قاسية لا يعرف تفاصيلها كثيرون. ومع ذلك، شق طريقه بإصرار، وواجه الضغوط بروح قتالية عالية، مؤكدًا أن الإرادة حين تقترن بالانضباط والعمل الجماعي قادرة على صناعة الفارق، حتى عندما تكون الإمكانات محدودة والطريق مليئًا بالعقبات.

في مباراة الأمس، قدّم المنتخب اليمني ما يكفي ليؤكد أحقيته بالانتصار والتأهل، لكنه في الوقت ذاته مطالب، كما هي الحال مع كل منتخب يسعى إلى التطور، بقراءة التجربة بواقعية وهدوء. فالفرح الكبير لا يلغي الحاجة إلى التقييم الفني، ولا يمنع من مراجعة أوجه القصور التي قد تظهر في بعض مراحل الأداء، سواء في إدارة نسق المباراة، أو التعامل مع الضغط، أو استثمار الفرص، أو الحفاظ على التركيز طوال الدقائق الحاسمة.

إن الإنجازات الكبيرة لا تُبنى على الاحتفال وحده، بل على القدرة على التعلم منها. ولذلك، فإن التأهل إلى كأس آسيا يجب أن يكون مناسبة للمراجعة الجادة، وتعزيز نقاط القوة، ومعالجة مكامن الضعف، والاستعداد بمسؤولية أكبر لما هو قادم. فالمشاركة بين كبار آسيا تتطلب مستوى أعلى من التنظيم، والجاهزية البدنية والذهنية، والانضباط التكتيكي، واستقرار الإعداد، حتى يكون حضور اليمن في البطولة حضورًا مشرّفًا لا مجرد مشاركة عابرة.

ومن هنا، فإن المسؤولية اليوم لا تقع على اللاعبين والجهاز الفني وحدهم، بل تمتد إلى كل الجهات المعنية بالرياضة اليمنية. فالمطلوب ليس الاكتفاء ببيانات التهنئة أو عبارات الإشادة، بل تحمّل مسؤولية حقيقية تجاه كرة القدم اليمنية ولاعبيها وشبابها. هذا الإنجاز يجب أن يدفع المؤسسات الرسمية والرياضية إلى الانتقال من منطق الاحتفال المؤقت إلى منطق البناء طويل المدى.

اليمن اليوم بحاجة إلى مشروع رياضي واضح، يبدأ من دعم المنتخبات الوطنية، وتطوير الفئات العمرية، وتأهيل المدربين، وتقوية الأندية، وتحسين المسابقات المحلية، وتوفير بيئة تليق بالمواهب اليمنية. فالشغف موجود، والموهبة حاضرة، والجمهور حاضر بقلبه وصوته، لكن هذه العناصر تحتاج إلى إدارة واعية ورؤية مستمرة كي تتحول إلى قوة حقيقية قادرة على المنافسة.

لقد أثبت المنتخب أن كرة القدم اليمنية لا تزال قادرة على الحضور، وأن اللاعب اليمني، متى ما وجد الثقة والدعم والفرصة، يستطيع أن يصنع الفارق. غير أن البناء على هذا الإنجاز يتطلب ما هو أكثر من الحماس اللحظي. يتطلب خططًا واضحة، وبرامج إعداد منتظمة، واستثمارًا في البنية التحتية، واهتمامًا بالأجيال الناشئة، وحماية للاعبين من الإهمال والتشتت، حتى لا تظل الإنجازات اليمنية مرتبطة بالاستثناءات والظروف العابرة.

إن الجماهير اليمنية العاشقة للدائرة المستديرة تستحق أكثر من لحظة فرح عابرة. تستحق منتخبًا مستقرًا، وأندية فاعلة، ومسابقات منظمة، ولاعبين يجدون الرعاية التي تليق بتضحياتهم. وتستحق أن ترى هذا التأهل بداية لمسار جديد، لا محطة يتيمة في ذاكرة مثقلة بالانتظار.

لقد مرّت على اليمن سنوات طويلة من الحزن والمعاناة، وفي خضم ذلك كله جاءت كرة القدم لتمنح الناس لحظة وحدة وأمل. ويقال إن كرة القدم لغة الشعوب، أما في اليمن فهي أكثر من لغة؛ إنها قاموس للفرح، وأدرينالين للسعادة، ومساحة يتنفس فيها اليمنيون حلمًا مشتركًا يتجاوز الانقسام والتعب.

اليوم، يقف اليمن بين كبار آسيا، لا بفضل النتيجة وحدها، بل بما حمله هذا الفوز من معنى عميق: أن اليمن قادر على الحضور رغم الوجع، وعلى المنافسة رغم الصعوبات، وعلى صناعة الفرح حين تجتمع الإرادة والإيمان والعمل.

لكن السؤال الأهم بعد هذا التأهل ليس: كيف نحتفل؟ بل: كيف نبني على هذا الإنجاز؟

فلتكن هذه البداية، وللحلم بقية...