آخر تحديث :السبت-17 يناير 2026-05:02م
أخبار وتقارير
نائب مدير مكتب الثقافة بعدن يكتب:

مؤتمر الحوار الجنوبي – الرياض: فرصة أخيرة أم لحظة تأسيس جديدة؟

السبت - 17 يناير 2026 - 03:23 م بتوقيت عدن
مؤتمر الحوار الجنوبي – الرياض: فرصة أخيرة أم لحظة تأسيس جديدة؟
الصحيفة الورقية

أسامة المحوري


تأتي الدعوة إلى مؤتمر الحوار الجنوبي في الرياض في لحظة سياسية فارقة، لا تحتمل الترف ولا المجاملة، بل تفرض قراءة عميقة لما آل إليه المشهد بعد أكثر من عقد من الصراع والانقسام. فهذه الدعوة لا تنبع من فراغ، ولا تأتي استجابة لضغط ظرفي، بل تعكس إدراكًا إقليميًا ووطنيًا بأن إدارة الملف الجنوبي خارج إطار الحوار الشامل قادت إلى طريق مسدود، وأن إعادة بناء الدولة لا يمكن أن تتم دون معالجة جذرية للقضية الجنوبية، بعيدًا عن منطق التخوين والإقصاء.


رعاية المملكة العربية السعودية لهذا الحوار ليست تفصيلًا بروتوكوليًا، بل رسالة سياسية واضحة. فالسعودية، التي حسمت موقفها لصالح الدولة، تدرك أن القوة وحدها لا تكفي لضمان الاستقرار، وأن أي حسم أمني أو سياسي دون مسار حواري جامع سيظل ناقصًا وقابلًا للانتكاس. ومن هنا، فإن رعايتها للحوار تأتي بوصفها ضامنًا لمسار سياسي منضبط، لا بوصفها طرفًا يسعى لفرض نتائج مسبقة.


السؤال الأول الذي يفرض نفسه هو: لماذا الآن؟

الإجابة تكمن في أن المرحلة السابقة استُنفدت بالكامل. كل أدوات الصراع جُرّبت: السلاح، الخطاب التعبوي، فرض الأمر الواقع، والنتيجة كانت واحدة: إنهاك الجنوب، وتآكل الدولة، وخسارة الناس. أما المرحلة الجديدة، فقد فتحت نافذة سياسية نادرة، بفضل التحول السعودي، وعودة الحكومة، وبدء ضبط المشهد الأمني والاقتصادي. هذه النافذة، إن لم تُستثمر بالحوار، ستغلق سريعًا، وربما بعنف أكبر.


أما عن من يشارك؟ فهنا يكمن جوهر التحدي. فنجاح الحوار مرهون بقدرته على كسر احتكار التمثيل، وفتح الباب أمام طيف واسع من القوى الجنوبية: سياسية، اجتماعية، قبلية، مدنية، وشخصيات مستقلة. الجنوب ليس كتلة واحدة، ولا يمكن اختزاله في خطاب واحد أو مشروع واحد. وإذا أعيد إنتاج الإقصاء داخل قاعة الحوار، فإن المؤتمر سيفشل قبل أن يبدأ، مهما كانت النوايا حسنة.


في المقابل، فإن من يغيب؟ لا يقل أهمية عن من يشارك. فغياب أي مكوّن فاعل، سواء بقرار ذاتي أو بإقصاء غير معلن، سيُضعف شرعية المخرجات، ويفتح الباب أمام التشكيك. ولهذا، فإن الشفافية في الدعوات، ومعايير التمثيل، وتوازن الحضور، تشكّل عناصر حاسمة لضمان مصداقية المسار.


السؤال الأكثر حساسية يتعلق بما إذا كان الحوار سيكون ملزمًا أم مجرد منصة نقاش. فالتجارب السابقة علّمت اليمنيين أن الحوارات غير الملزمة تتحول إلى أرشيف سياسي لا أكثر. ولهذا، فإن أي حوار جاد يجب أن يرتبط بإطار تنفيذي واضح، وضمانات سياسية، وجدول زمني، وربط المخرجات بمسار الدولة ومؤسساتها. الحوار لا قيمة له إذا لم يُترجم إلى سياسات وقرارات.


في هذا السياق، تبرز أهمية موقع المحافظات داخل الحوار، خصوصًا حضرموت وعدن وبقية المحافظات الجنوبية. فالتعامل مع الجنوب بوصفه وحدة سياسية صماء تجاهل دائمًا خصوصياته الداخلية، وأسهم في تعميق الانقسامات. الحوار الحقيقي هو الذي يعترف بالتنوع الجغرافي والاجتماعي، ويمنح كل محافظة صوتها، دون أن يتحول ذلك إلى تفكيك أو تنافس عدمي.


حضرموت، على سبيل المثال، ليست مجرد محافظة كبرى، بل ثقل اقتصادي واجتماعي وسياسي، وأي مسار يتجاهل موقعها أو يحاول فرض وصاية عليها سيكون محكومًا بالفشل. وعدن، بوصفها العاصمة المؤقتة، تحتاج إلى معالجة خاصة تخرجها من دائرة الصراع إلى فضاء الإدارة والخدمات. وبقية المحافظات الجنوبية لها بدورها خصوصياتها ومطالبها التي لا يمكن اختزالها في خطاب عام.


أخطر ما يهدد الحوار هو تكرار الإقصاء تحت عناوين جديدة. فالإقصاء، حتى لو ارتدى ثوب “التوافق”، يظل إقصاءً. وإذا لم تُفتح القاعة لكل الأصوات، بما فيها الأصوات الناقدة والمخالفة، فإن الحوار سيتحول إلى آلية لإعادة إنتاج الأزمة لا حلّها. الجنوب اليوم لا يحتاج منتصرين جدد، بل يحتاج صيغة تعايش سياسي مستدام.


في المقابل، يضع الحوار القوى الجنوبية أمام مسؤولية تاريخية. فبعد سنوات من التصعيد، سيكون مطلوبًا الانتقال من لغة الشعارات إلى لغة الحلول، ومن خطاب المظلومية إلى برامج سياسية قابلة للتنفيذ. هذا الانتقال مؤلم، لكنه ضروري. فالمجتمع الدولي، والداعم الإقليمي، وحتى الشارع المحلي، لم يعودوا مستعدين لدعم مشاريع غامضة أو صراعات مفتوحة.


المرحلة الراهنة تمنح الحوار فرصة نادرة ليكون لحظة تأسيس لا مجرد محطة مؤقتة. لحظة تعيد تعريف العلاقة بين الجنوب والدولة، وتضع أسس شراكة حقيقية، تحفظ الحقوق دون أن تفتح أبواب الفوضى. لكن هذه الفرصة ليست مفتوحة إلى ما لا نهاية، بل مشروطة بالإرادة، والصدق، والاستعداد لتقديم تنازلات متبادلة.


في الخلاصة، فإن مؤتمر الحوار الجنوبي في الرياض ليس انتصارًا لطرف، ولا هزيمة لآخر، بل اختبارًا للجميع. اختبار لقدرة الجنوبيين على إدارة خلافاتهم بالحوار، ولقدرة الدولة على استيعاب التنوع، ولقدرة الراعي الإقليمي على ضمان مسار عادل ومتوازن.


الحوار ليس انتصارًا لأحد… بل نجاة للجميع.