شارك الرئيس علي ناصر محمد بكلمة مسجلة في احتفالية إحياء الذكرى المئوية لميلاد الزعيم الخالد جمال عبد الناصر، التي نظّمتها المؤسسة الإفريقية للتنمية وبناء القدرات، ومؤسسة د. جمال شيحة للتعليم والثقافة والتنمية المستدامة، واتحاد الكتّاب، وذلك تقديراً لمكانته القومية والتاريخية، ودوره القومي في دعم قضايا الأمة العربية، وفي المقدمة القضية الفليطينية.
وجاء فيها:
بسم الله الرحمـٰن الرحيم
الحضور الكريم،
يسرّني في هذا الحفل الذي يُقام بمناسبة الذكرى السابعة بعد المائة لميلاد القائد العربي الخالد جمال عبد الناصر، أن نستحضر سيرة أعظم زعيم في تاريخ مصر والأمة العربية، ذلك القائد الذي لم يكن مجرد حاكم، بل مثّل مشروعاً وطنياً وقومياً ممتداً وخالداً في وجدان الشعب المصري وأمته العربية. وبعد قيام ثورة ٢٣ يوليو عام ١٩٥٢، آمن الزعيم جمال عبد الناصر بأن الاستقلال السياسي لمصر والأمة لا يكتمل إلا بالاستقلال الاقتصادي، فقد حقق للشعب المصري العظيم إنجازات كبرى تمثلت في الإصلاح الزراعي، ومجانية التعليم، والتأمين الصحي، وتأميم قناة السويس، وبناء السد العالي، وإنشاء مصانع الحديد والصلب في حلوان، وطرد القاعدة البريطانية من السويس وغيرها من الإنجازات، وانحاز عبد الناصر إلى الفقراء من العمال والفلاحين وغيرهم من فئات المجتمع، ولم يستعلِ عليهم، ولم يمارس ازدواجية في سلوكه الشخصي والعام. وكان من القادة القلائل الذين لم يفسد المال حياتهم وعلاقاتهم وأهدافهم. لقد حرّر ناصر نفسه من الصغائر، وحرر الإرادة المصرية من ظلم قرون، ولا سيما ما عاناه الفلاح المصري من إقطاع بالغ القسوة والنهم، كما خلّص مصر من الهيمنة الأجنبية، وشهدت مصر بقيادته نهضة على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية والعسكرية.
ولم يتوقف دور الثورة المصرية عند حدودها، بل امتدّ إلى كل أنحاء العالم، حيث وقف الزعيم جمال عبد الناصر إلى جانب حركات التحرر الوطنية العربية والإفريقية والعالمية المناهضة للاستعمار البريطاني والفرنسي والبلجيكي والبرتغالي والهولندي وغيرها من قوى الاستعمار.
وكان صوت الأمة وضميرها الحي، حمل قضاياها في قلبه الكبير، وتبنّى قضاياها الكبرى، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية والوحدة العربية. ومن هنا، لم يكن غريباً أن يرتبط اسمه حتى اليوم بثورات الشعوب ونضالها ضد الاستعمار والهيمنة، وأن تنظر إليه شعوب العالم الثالث رمزاً ريادياً للاستقلال والحرية.
فالعروبة عنده لم تكن شعاراً خطابياً، بل مشروعاً قومياً تحررياً، وفلسطين لم تكن ورقة سياسية، بل قضية مركزية، ناضل من أجلها في أعوام ١٩٤٨ و١٩٥٦، وخاض حروب الاستنزاف ضد قوات الاحتلال الإسرائيلية بعد حرب ١٩٦٧م. كما وقف إلى جانب ثورة الشعب الجزائري، شعب المليون ونصف شهيد، حتى تحرر من الاستعمار الفرنسي.
وفي السياق ذاته، وقف إلى جانب ثورة السادس والعشرين من سبتمبر والدفاع عن النظام الجمهوري في اليمن. وخلال زيارته لليمن أعلن من مدينة تعز مقولته الشهيرة عام ١٩٦٤: "إن على الاستعمار البريطاني أن يحمل عصاه ويرحل من عدن"، وقد تحقق ذلك في الثلاثين من نوفمبر بجلاء القوات البريطانية بعد ١٢٩ عاماً من احتلال عدن وجنوب اليمن.
وكان قراره بدعم الثورة اليمنية قراراً استراتيجياً، لما تتمتع به اليمن من موقع جغرافي واستراتيجي بالغ الأهمية في باب المندب والبحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي والقرن الإفريقي وجزيرة العرب. وقد تأكد صواب هذا القرار الاستراتيجي بدعم الثورة اليمنية في حرب عام ١٩٧٣، حين أغلقت جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية باب المندب في وجه السفن الإسرائيلية.
وفي الذكرى العشرين لثورة 14 أكتوبر، منحنا الرئيس جمال عبد الناصر وسام ثورة ١٤ أكتوبر، وهو أعلا وسام في جمهورية اليمن الديمقراطية، الذي استلمه نيابة عن أسرته رفيق نضاله المناضل خالد محي الدين عضو مجلس قيادة الثورة المصرية، تقديراً لموقفه القومي وموقف الشعب المصري العظيم، في مشهد مهيب احتشدت فيه الجماهير في ميدان الشهيد الحبيشي بعدن، وهتفت الجماهير لعبد الناصر كأنه ما يزال حياً بينها.
وهكذا، يثبت التاريخ أن القادة العظام لا يموتون، وأن من يسكن منهم وجدان الأمة يظل حاضراً في ضميرها مهما تعاقبت السنين.
المجد والخلود للزعيم الخالد جمال عبد الناصر.