القسم السياسي صحيفة عدن الغد
إعلان حلّ المجلس الانتقالي الجنوبي، كما ورد في البيان الصادر من عدن والمنسوب إلى هيئة رئاسته وقيادته التنفيذية وأمانته العامة وكافة هيئاته، لا يُعد مجرد خطوة تنظيمية داخل كيان سياسي، بل يمثل تحوّلًا مفصليًا في مسار الجنوب اليمني، واعترافًا صريحًا بفشل نموذج سياسي كامل كان قائمًا على احتكار التمثيل ودمج السلاح بالسياسة. البيان، بنصه وتوقيته ولغته، يفتح مرحلة جديدة تتجاوز فكرة “سقوط الانتقالي” إلى مرحلة “ما بعد الانتقالي”، بكل ما تحمله من تعقيدات قانونية، وأمنية، واجتماعية، وسياسية.
أول ما يلفت في البيان هو الإقرار الواضح بأن استمرار المجلس لم يعد يخدم الهدف الذي تأسس من أجله، وأن وجوده بات عبئًا على “الهدف الجنوبي العادل” بدل أن يكون أداة لتحقيقه. هذا الإقرار بحد ذاته يمثل سابقة في التجربة السياسية اليمنية، حيث نادرًا ما تقدم كيانات مسلحة على حل نفسها طواعية، خصوصًا بعد سنوات من السيطرة والنفوذ. كما أن ربط القرار بأحداث حضرموت والمهرة، وبالإساءة للعلاقة مع التحالف بقيادة المملكة العربية السعودية، يكشف أن العامل الإقليمي لم يكن هامشيًا، بل كان عنصرًا حاسمًا في الوصول إلى هذه اللحظة.
من الناحية القانونية، حلّ المجلس الانتقالي لا يُنشئ فراغًا دستوريًا، لأن المجلس لم يكن كيانًا دستوريًا أو حزبًا سياسيًا مسجلًا وفق القوانين اليمنية، ولم يكن جزءًا من بنية الدولة الرسمية. لكن الأثر القانوني الأهم يكمن في إنهاء أي غطاء تنظيمي كان يُستخدم لتبرير السيطرة على مؤسسات، أو إدارة موارد، أو فرض جبايات، أو اتخاذ قرارات باسم “تمثيل الجنوب”. ابتداءً من لحظة الحل، تصبح أي ممارسة خارج إطار الدولة ممارسة بلا غطاء سياسي أو أخلاقي، ما يضع مسؤولية مباشرة على الحكومة الشرعية والأجهزة الرقابية والقضائية في التعامل مع المرحلة وفق القانون، لا وفق منطق التسويات الغامضة أو الانتقام.
الملف الأكثر حساسية هو مصير عشرات الآلاف من الموظفين والعاملين والعسكريين الذين ارتبطت حياتهم بالمجلس الانتقالي خلال السنوات الماضية. البيان تجاهل هذا الملف بشكل مباشر، لكنه تركه مفتوحًا كاختبار حقيقي للدولة. المعالجة الخاطئة هنا قد تفجّر الجنوب أمنيًا واجتماعيًا. لا يمكن التعامل مع هؤلاء ككتلة واحدة، ولا يجوز تحميلهم وزر مشروع سياسي فشل. في المقابل، لا يمكن تركهم دون إطار قانوني أو إداري، لأن ذلك سيحوّلهم إلى قوة فائضة خارج الدولة، قابلة للتوظيف في أي صراع قادم.
الإدارة الرشيدة لهذا الملف تقتضي فصلًا واضحًا بين البعد السياسي والبعد الوظيفي. الموظفون المدنيون والإداريون يجب إخضاعهم لمعايير الخدمة المدنية، وإعادة توزيعهم أو دمجهم وفق الحاجة والكفاءة. أما العسكريون، فالمسار الأكثر أمانًا هو الحصر الشامل، ثم الدمج التدريجي في وزارتي الدفاع والداخلية وفق معايير مهنية صارمة، مع برنامج يضمن المرتبات ويضبط السلاح ويمنع أي تشكيلات موازية. أي إهمال أو قرارات ارتجالية في هذا الجانب ستفتح الباب أمام انفلات أمني أو صراعات صغيرة تتراكم بسرعة.
سياسيًا، البيان يحاول نقل القضية الجنوبية من مرحلة التنظيم الواحد إلى مرحلة “الإطار الجنوبي الجامع” عبر مؤتمر الحوار الجنوبي الشامل تحت رعاية المملكة العربية السعودية. هذه النقلة، إذا أُديرت بصدق، قد تمثل فرصة تاريخية لتحرير القضية الجنوبية من احتكار التمثيل، وإعادتها إلى مسار وطني أوسع وأكثر واقعية. لكن الخطر الحقيقي هو أن يتحول المؤتمر إلى مجرد إعادة تدوير للنخب نفسها، أو أن يُستخدم كغطاء لولادة كيان جديد يعيد إنتاج الأخطاء ذاتها باسم مختلف.
البيان شدد على أن المجلس لم يُؤسس للوصول إلى السلطة أو الاستفراد بالقرار أو إقصاء الآخرين، وهو اعتراف ضمني بأن ما جرى في الواقع كان نقيض ذلك. هنا تكمن أهمية المرحلة المقبلة: أي إطار جنوبي جديد لن يُمنح ثقة الشارع لمجرد أنه “جامع”، بل سيُحاكم على قواعد واضحة، أهمها رفض عسكرة السياسة، ورفض الجبايات، ورفض احتكار التمثيل، والقبول بالشراكة والتعدد، وربط أي مشروع سياسي ببرنامج حكم وخدمات لا بخطاب تعبوي.
بالنسبة للحكومة الشرعية، فإن حلّ المجلس الانتقالي يضعها أمام أخطر اختبار منذ تشكيل مجلس القيادة الرئاسي. لم تعد الحكومة قادرة على تبرير فشلها بوجود “سلطة أمر واقع” تنازعها السيطرة. اليوم، أصبحت هي الطرف المسؤول مباشرة عن إدارة عدن والمحافظات الجنوبية. أي إخفاق في الأمن أو الخدمات أو الرواتب سيُحسب عليها وحدها. النجاح هنا يتطلب الانتقال من إدارة الأزمات إلى إدارة الدولة: توحيد القرار، ضبط الإيرادات، إيقاف الجبايات فورًا، إعادة تشغيل المؤسسات، وتحقيق حد أدنى ملموس من الخدمات خلال فترة قصيرة.
إقليميًا، يعكس البيان بوضوح انتقال الجنوب من مرحلة الرعاية لكيان واحد إلى مرحلة رعاية “مسار”. المملكة العربية السعودية، كما يظهر في البيان، لم تعد تبحث عن طرف يحتكر الجنوب، بل عن صيغة تضمن الاستقرار وتمنع الانزلاق إلى الفوضى. هذا التحول يعني أن أي قوة جنوبية تحاول إعادة إنتاج نموذج الانتقالي ستصطدم بسقف إقليمي أقل تسامحًا، وأكثر تشددًا في ربط الدعم بالاستقرار لا بالمغامرات العسكرية.
أخطر ما يمكن أن يحدث بعد هذا الإعلان هو إدارة المرحلة بعقلية التشفي أو الإذلال. الانتقال السياسي الناجح لا يُدار بالثأر، بل بالقانون والضمانات. وفي المقابل، أخطر ما يمكن أن يحدث أيضًا هو إدارة المرحلة بتسويات رخوة تُبقي الفساد والجبايات والسلاح خارج الدولة. التوازن بين الصرامة والضمان هو مفتاح العبور الآمن: صرامة في حماية المؤسسات ومنع الفوضى، وضمانات اجتماعية ووظيفية تمنع الانهيار.
حلّ المجلس الانتقالي، كما ورد في البيان، ليس نهاية الصراع السياسي في الجنوب، بل نهاية مرحلة وبداية أخرى. المرحلة القادمة ستحدد ما إذا كان الجنوب سيتجه نحو بناء مشروع سياسي ناضج متعدد، أم نحو فوضى ورثة يتنازعون الإرث. والفيصل في ذلك لن يكون البيانات، بل قدرة الدولة والقوى الجنوبية على تحويل هذه اللحظة من “تفكيك تنظيم” إلى “تأسيس قواعد جديدة”، يكون فيها السلاح تحت الدولة، والمال العام للدولة، والسياسة ساحة شراكة لا غلبة.