انقطعت إيران عن العالم الخارجي إلى حد كبير اليوم الجمعة بعد أن أوقفت السلطات خدمة الإنترنت للحد من اتساع نطاق الاحتجاجات، وأظهر مقطع فيديو أبنية تشتعل فيها النيران خلال احتجاجات مناهضة للحكومة خرجت إلى الشوارع في عدة مدن.
ووثقت منظمات حقوقية بالفعل عشرات الوفيات بين المتظاهرين في غضون أسبوعين تقريبا. وبينما أظهر التلفزيون الإيراني الرسمي الاشتباكات والحرائق، ذكرت وكالة أنباء تسنيم شبه الرسمية أن عددا من أفراد الشرطة قتلوا خلال الليل.
وتعهد الزعيم الأعلى آية الله علي خامنئي في خطاب بثه التلفزيون بعدم التراجع، واتهم المحتجين بأنهم يتصرفون نيابة عن جماعات المعارضة في المهجر والولايات المتحدة. وهدد مدع عام بتنفيذ إعدامات.
وقالت وزارة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الإيرانية إن قرار وقف خدمات الإنترنت اتخذ "من قبل السلطات الأمنية المختصة في ظل الظروف السائدة في البلاد".
*مقتل العشرات خلال الاحتجاجات
لم تحشد هذه الاضطرابات شرائح واسعة من المجتمع كما فعلت موجات احتجاجية أخرى في السنوات القليلة الماضية، لكن السلطات تبدو أكثر ضعفا بسبب الوضع الاقتصادي المتردي وتداعيات حرب العام الماضي مع إسرائيل والولايات المتحدة.
واندلعت الاحتجاجات في البداية لأسباب اقتصادية، بعدما فقدت العملة الإيرانية (الريال) نصف قيمتها أمام الدولار العام الماضي وتجاوز التضخم 40 بالمئة في ديسمبر كانون الأول، لكنها اتسعت لاحقا لتشمل ترديد شعارات مباشرة ضد السلطات.
وقالت وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان (هرانا) الإيرانية اليوم إنها وثقت وفاة 62 شخصا على الأقل، بينهم 14 من أفراد الأمن و48 متظاهرا، منذ بدء الاحتجاجات في 28 ديسمبر كانون الأول.
وأدى انقطاع الإنترنت إلى تراجع حجم المعلومات المتداول، وتعذر الاتصال هاتفيا بمن هم في إيران. وأظهر الموقع الإلكتروني لمطارات دبي إلغاء 17 رحلة جوية على الأقل بين دبي وإيران.
وأظهرت صور نشرتها وسائل إعلام رسمية خلال الليل ما قالت إنها حافلات وسيارات ودراجات نارية تحترق، إضافة إلى حرائق في محطات مترو وبنوك.
وأظهرت مقاطع فيديو، تحققت رويترز من أنها التقطت في العاصمة طهران، مئات الأشخاص وهم يشاركون في مسيرة. وسُمعت امرأة في أحد هذه المقاطع وهي تردد هتاف "الموت لخامنئي!".
ورددت هتافات أخرى شعارات تدعم نظام الشاه.
وقالت منظمة هنجاو الكردية لحقوق الإنسان إن مسيرة احتجاجية خرجت بعد صلاة الجمعة في زاهدان، وأغلب سكانها من أقلية البلوش، قوبلت بإطلاق نار أسفر عن إصابة عدة أشخاص.
وأظهر مقطع فيديو نشر على وسائل التواصل الاجتماعي متظاهرين في مدينة شيراز الجنوبية وهم يهتفون "هذا عام الدم، ستتم الإطاحة بالسيد علي (خامنئي)". ولم يتسن لرويترز التحقق من الفيديو حتى الآن.
وحاولت السلطات اتباع نهج مزدوج، إذ وصفت الاحتجاجات المرتبطة بالأوضاع الاقتصادية بأنها مشروعة، فيما نددت بمن تصفهم بمثيري الشغب الذين ينتهجون العنف وشددت إجراءاتها عبر قوات الأمن.
وحث الرئيس مسعود بزشكيان في الأسبوع الماضي السلطات على اتباع "نهج يتسم بالرحمة والمسؤولية"، وقدمت الحكومة حوافز مالية متواضعة للمساعدة في مواجهة تفاقم الفقر مع ارتفاع التضخم.
ولكن مع انتشار الاحتجاجات وتزايد حدة الاشتباكات، استخدم الزعيم الأعلى، صاحب القول الفصل في إيران، لهجة أشد في خطابه اليوم الجمعة.
وقال "وصلت الجمهورية الإسلامية إلى السلطة بدماء مئات الآلاف من الشرفاء. ولن تتراجع أمام المخربين"، متهما المتورطين في الاضطرابات بالسعي لإرضاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وقال المدعي العام في طهران إن من يرتكبون أعمال تخريب أو يحرقون الممتلكات العامة أو يشاركون في اشتباكات مع قوات الأمن سيواجهون عقوبة الإعدام.
* معارضة منقسمة
دعت فصائل المعارضة الإيرانية في الخارج، وهي فصائل منقسمة، إلى مزيد من الاحتجاجات اليوم الجمعة. وردد المتظاهرون شعارات من بينها "الموت للدكتاتور!"، وأشادت هتافات أخرى بنظام الشاه الذي أطيح به عام 1979.
وقال رضا بهلوي، نجل الشاه الراحل المقيم خارج البلاد، للإيرانيين في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي "أنظار العالم عليكم. انزلوا إلى الشوارع".
غير أن درجة التأييد داخل إيران لنظام الشاه أو لمنظمة مجاهدي خلق، وهي أهم جماعات المعارضة في المهجر، تبقى محل خلاف. وقال متحدث باسم المنظمة إن وحدات تابعة لها شاركت في الاحتجاجات.
وقال أليكس فاتانكا من معهد الشرق الأوسط في واشنطن "الشعور باليأس في المجتمع الإيراني اليوم أمر لم نشهده من قبل.. هذا الشعور بالغضب زادت حدته بمرور الأعوام إلى أن وصلنا إلى مستويات غير مسبوقة لاستياء الشعب الإيراني".
وقال ترامب إنه لن يلتقي بهلوي وإنه "غير متأكد من أن من المناسب" دعمه. وقصفت الولايات المتحدة الصيف الماضي إيران وحذرها ترامب الأسبوع الماضي من أنه ربما يهب لمساعدة المحتجين.
ورغم تصاعد الضغوط، قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي اليوم الجمعة إن احتمال التدخل العسكري الأجنبي في إيران "ضئيل للغاية". وأضاف أن وزير خارجية سلطنة عمان، التي عادة ما تتوسط في المفاوضات بين إيران والغرب، سيزور إيران غدا السبت.
وذكر المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك للصحفيين اليوم الجمعة أن المنظمة الدولية تواصل متابعة الوضع عن كثب للغاية وأنها منزعجة جدا من الخسائر في الأرواح.
وأضاف دوجاريك "يحق للشعوب في أي مكان في العالم التظاهر سلميا، وتقع على عاتق الحكومات مسؤولية حماية هذا الحق وضمان احترامه".
وشهدت الجمهورية الإسلامية على مدى عقود موجات متكررة من الاضطرابات الشعبية الواسعة، بما في ذلك احتجاجات الطلاب عام 1999 والمظاهرات الحاشدة احتجاجا على نتائج انتخابات متنازع عليها عام 2009 ومظاهرات عام 2019 اعتراضا على الأوضاع الاقتصادية الصعبة واحتجاجات "المرأة، الحياة، الحرية" عام 2022.
واجتذبت احتجاجات عام 2022، التي اندلعت إثر مقتل شابة في أثناء احتجازها لدى شرطة الإخلاق، حشودا غفيرة من مختلف الفئات، من الرجال والنساء والكبار والصغار والأغنياء والفقراء.
وقمعت هذه الاحتجاجات في نهاية المطاف، لكن تقارير أفادت بمقتل المئات وسجن الآلاف، إلا أن السلطات تراجعت لاحقا بعض الشيء، وأصبحت النساء يخالفن قواعد اللباس على نحو متكرر.
إعداد محمود رضا مراد ونهى زكريا وشيرين عبد العزيز وحاتم علي وأحمد هشام للنشرة العربية - تحرير