لم يجف قلمي بعد وأنا أكتب عن الاجتماع الذي عقده الأستاذ سالم أبوبكر ثابت العولقي بقيادات المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية، وما تحدث عنه من أهمية المؤسسة ودورها في خدمة المجتمع والاهتمام بكوادرها، ولا سيما موظفي تعز المحاصرة من قبل جماعة الحوثي، حتى جاء قرار تعيينه وزيرًا للإعلام. كان القرار مفاجئًا لي وللكثيرين، لكنه فتح أمامي بابًا للتفكير في أهمية هذه المرحلة، وما ينتظر الإعلام من مسؤوليات كبيرة.
خلال الفترة التي تولى فيها العولقي مسؤولية في وزارة الخدمة المدنية والتأمينات، تحركت ملفات إدارية وحقوقية ظلت سنوات تنتظر المعالجة، من التسويات والعلاوات إلى مستحقات النازحين وحقوق المبعدين. كما أن تجربته متحدثًا رسميًا باسم المجلس الانتقالي الجنوبي، ثم رئيسًا للهيئة الوطنية للإعلام الجنوبي، منحته احتكاكًا مباشرًا بالصحفيين والقنوات ومراسلي وسائل الإعلام العربية والأجنبية، وهي خبرات يمكن البناء عليها في مهمته الجديدة.
لكن ما يشغلني اليوم يتجاوز شخص الوزير وتجربته. فالإعلام أمام مسؤولية وطنية كبيرة، خصوصًا في ظل مشروع حوثي سلالي كهنوتي لا يخفي فكرته القائمة على ادعاء الحق الحصري لسلالته في الحكم، وتكريس مفهوم الولاية بوصفه أساسًا للسلطة. وهذا الفكر لا يواجه بالسلاح وحده، بل يحتاج إلى خطاب إعلامي يكشف حقيقته، ويفكك أفكاره، ويضع أمام الناس الفرق بين دولة تقوم على المواطنة والدستور، ومشروع يريد إعادة اليمنيين إلى حكم السلالة والامتياز العائلي.
وهنا تظهر أهمية الإعلام في بناء الدولة. فالجمهورية ليست مجرد اسم أو ذكرى نحتفل بها، بل فكرة يجب أن تظل حاضرة في وعي الناس وسلوك المؤسسات. والمواطنة المتساوية، واحترام القانون، وحق اليمنيين في المشاركة والحكم، ليست شعارات عابرة، بل أسس لا يمكن أن تقوم الدولة من دونها. ومن واجب الإعلام أن يشرح هذه المعاني بلغة يفهمها الناس، وأن يجعلها جزءًا من حياتهم اليومية، لا مجرد عبارات في المناسبات.
نحن بحاجة إلى إعلام وطني يمتلك الحجة والمعلومة، ويعرف كيف يخاطب الناس ويصل إليهم. إعلام لا يكتفي بنقل البيانات والأنشطة الرسمية، بل يشرح ما يجري، ويكشف التضليل، ويقدم الرواية الوطنية بوضوح ومهنية. وفي الوقت نفسه، لا يتردد في تناول الاختلالات وانتقاد القصور بمسؤولية؛ لأن الدفاع عن الدولة لا يعني السكوت عن أخطائها، بل العمل على تصحيحها وتعزيز ثقة الناس بمؤسساتها.
وهناك جانب آخر لا يقل أهمية، وهو التحول التقني والرقمي. فقد تغيرت وسائل التأثير، وأصبحت المنصات الرقمية والصورة والفيديو وسرعة تداول المعلومة عناصر أساسية في تشكيل الرأي العام. ولم يعد كافيًا أن نمتلك وسائل إعلام تقليدية تنتظر الجمهور، بل علينا أن نذهب إليه حيث يوجد، وأن نطور أدوات الإنتاج والبث، ونؤهل الكوادر للتعامل مع الإعلام الحديث، ونبني محتوى قادرًا على المنافسة والوصول إلى الأجيال الجديدة.
ولا يمكن الحديث عن تطوير الإعلام من دون الالتفات إلى مؤسساته والعاملين فيه. فهناك مؤسسات تحتاج إلى إعادة تأهيل، وكوادر صحفية تنتظر حقوقها ومستحقاتها وتحسين ظروف عملها. وإذاعة وتلفزيون عدن، بما يحملانه من تاريخ وذاكرة إعلامية يمنية، يستحقان مشروعًا جادًا للتطوير وحماية أرشيفهما. وكذلك مؤسسة 14 أكتوبر للصحافة والطباعة والنشر، التي تملك تاريخًا ومكانة تستحقان الدعم وإعادة الحضور.
ولا يمكن أن نطالب الصحفي بحمل مسؤولية الوعي الوطني وهو لا يزال ينتظر راتبه أو حقوقه. إنصاف الإعلاميين وفتح المجال أمام الكفاءات والخبرات جزء أساسي من أي إصلاح حقيقي، في تحديث الإدارة
نريد إعلامًا يوازي تضحيات الأبطال، ينقل ما يقدمونه في الميدان، ويعرف الناس بحجم التضحيات، ويكشف معاناة المواطنين، ويدافع عن القضية الوطنية بالحقيقة والمعلومة والحجة. فالكلمة الوطنية لها أثرها، ومسؤولية الإعلام لا تقل أهمية عن مسؤولية من يواجهون الموت دفاعًا عن الوطن.
لدي أمل كبير في أن يكون سالم العولقي قادرًا على قيادة هذه المرحلة، والاستفادة من خبرته وعلاقاته، وفتح صفحة جديدة في أداء وزارة الإعلام. المهمة ليست سهلة، لكنها تحتاج إلى الجميع ان يدرك أن الإعلام ليس مجرد منصب أو ظهور رسمي، بل مسؤولية عن تشكيل الوعي وحماية الذاكرة الوطنية وتقديم صورة الدولة التي نريدها.
فمعركتنا ليست فقط استعادة أرض، بل استعادة فكرة الدولة، ومواجهة ثقافة السلالة بثقافة المواطنة. وهذا ما ننتظره من الإعلام في المرحلة القادمة، وما نأمل أن يضعه سالم العولقي في مقدمة أولوياته.