آخر تحديث :الثلاثاء-03 نوفمبر 2026-09:56م

د. محمد علوي أمزربه.. رجل دولة وقائد استثنائي ترك بصمته في ميناء عدن

الثلاثاء - 03 نوفمبر 2026 - الساعة 07:20 م
عبدالله الشرفي


بقلم/ عبدالله الشرفي


هناك رجال تمرّ على المناصب، وهناك رجال يتركون فيها بصمات لا تمحوها السنوات. والدكتور محمد علوي أمزربه، الذي اختتم أمس مهامه رئيسًا لمجلس إدارة مؤسسة موانئ خليج عدن، واحد من أولئك الرجال الذين ارتبطت أسماؤهم بمراحل استثنائية في تاريخ ميناء عدن، ليس بما شغلوه من مناصب، بل بما قدموه من عمل وإخلاص وتفانٍ في أصعب الظروف.


أكتب هذه الكلمات شهادة حق، لا مجاملة فيها ولا مبالغة، فقد تشرفت بالعمل إلى جانب الدكتور أمزربه قرابة تسع سنوات سكرتيرًا صحفيًا خاصًا له، عرفت خلالها الرجل عن قرب، وكنت شاهدًا على حجم المسؤوليات والتحديات التي واجهها، وعلى تفانيه في الدفاع عن ميناء عدن والحفاظ على مكانته ودوره الملاحي والتجاري، وسط ظروف الحرب والانقسامات والتجاذبات السياسية التي عصفت بالبلاد.


لقد كان أمزربه رجل دولة بمعنى الكلمة، أدرك منذ توليه قيادة الميناء أن هذا المرفق الاقتصادي السيادي أكبر من الخلافات السياسية والحسابات الضيقة، فحرص على تحييده عن الصراعات والتعصب والمناطقية، وجعل المهنية والكفاءة والمصلحة العامة أساسًا لإدارته، مؤمنًا بأن ميناء عدن ملك لكل اليمنيين، وأن الحفاظ عليه مسؤولية وطنية لا تقبل المساومة.


وفي أحلك أيام الحرب، لم يغادر عدن، ولم يتخلَّ عن مسؤوليته، بل ظل قريبًا من الميناء وعماله وموظفيه، يتابع نشاطه ويواجه التحديات، ويولي اهتمامًا استثنائيًا بحقوق العاملين ورواتبهم، حتى أولئك الذين أجبرتهم ظروف الحرب على النزوح خارج المدينة، فكان حريصًا على وصول مستحقاتهم إليهم رغم كل الصعوبات.


ومن يعرف الدكتور أمزربه عن قرب يدرك أنه قائد لا يعرف الاتكال أو الركون إلى كرسي المسؤولية؛ يعمل بلا كلل، ويتابع أدق التفاصيل، ويمنح الثقة لزملائه، ويحفزهم على العطاء. وكم من مرة كنت أتعجب من اتصالاته وردوده على الرسائل في ساعات متأخرة من الليل أو مع بزوغ الفجر، حتى يخيل إليك أن هذا الرجل لا يعرف الراحة حين يتعلق الأمر بمصلحة الميناء.


ولم تكن قيادته قائمة على القرارات الإدارية وحدها، بل على الشراكة الحقيقية مع العمال والموظفين والنقابات واللجان العمالية، وترسيخ روح الفريق الواحد، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن الإنجاز يُنسب للجميع، وأن المسؤولية مشتركة. وقد أسهم هذا النهج في تعزيز الاستقرار الوظيفي واستمرار العمل، في وقت كانت فيه مؤسسات كثيرة تعاني الاضطرابات والتوقف.


وعلى صعيد التطوير، شهد الميناء خلال فترة قيادته جهودًا ملموسة لتحديث البنية التحتية، وتوفير المعدات والآليات، وتأهيل الكوادر، وتحسين الخدمات البحرية واللوجستية، وتعزيز علاقاته مع شركات الملاحة العالمية، إلى جانب العمل على استعادة نشاطه التجاري وتوسيع قدراته التشغيلية، انطلاقًا من رؤية تستهدف إعادة ميناء عدن إلى موقعه الطبيعي على خارطة الموانئ الإقليمية والدولية.


والإنصاف يقتضي القول إن ما تحقق لم يكن جهد رجل بمفرده، بل ثمرة قيادة آمنت بالعمل الجماعي، وعمال وموظفين ظلوا أوفياء لمينائهم، وشركاء تحملوا المسؤولية في أصعب المراحل.


*واليوم، ونحن نودع الدكتور محمد علوي أمزربه من موقعه القيادي في ميناء عدن، فإننا لا نودع مجرد رئيس مجلس إدارة انتهت مهامه، بل نطوي صفحة حافلة بالعطاء لرجل حمل أمانة هذا المرفق الحيوي في ظروف استثنائية، وترك تجربة إدارية تستحق التقدير والإنصاف.*


وأقولها من واقع تسع سنوات من العمل معه: لقد اختلفت الظروف، وتبدلت المواقف، وتعاقبت الأزمات، لكن ما لم يتغير في هذا الرجل هو إخلاصه للميناء، وحرصه على عماله، وإيمانه بأن عدن تستحق أن يستعيد ميناؤها مكانته التاريخية والاقتصادية.


قد تنتهي المهام الرسمية، لكن الأثر الطيب لا ينتهي بانتهاء المنصب، والرجال الذين يخدمون مؤسساتهم بإخلاص تبقى أعمالهم شاهدة عليهم.


*شكرًا دكتور محمد علوي أمزربه، على سنوات من العطاء والصمود والمسؤولية. ونأمل أن تستفيد الدولة من خبراتك القيادية والإدارية في مهام وطنية أخرى، فالأوطان التي تواجه التحديات تحتاج إلى خبرات رجالها المخلصين.*


*وتبقى كلمة الحق: إن المناصب لا تصنع قيمة الرجال، بل الرجال هم من يمنحون المناصب قيمتها، ويتركون في ذاكرة المؤسسات ما يستحق أن يُروى للأجيال.*