آخر تحديث :الثلاثاء-03 نوفمبر 2026-09:56م

أحد عشر عاماً من عمري المهدور: حين تخلّيتُ عن القلم لأحمل الحجر.. من المسؤول عن "وقف الحال"؟

الثلاثاء - 03 نوفمبر 2026 - الساعة 10:00 ص
محمد ناجي


يمر العمر وتتوالى السنوات، بينما يقف قطار الحياة في اليمن مسمراً عند تلك اللحظة المشؤومة التي غيرت مجرى تاريخنا المعاصر. أحد عشر عاماً مرت من عمرنا منذ الانقلاب الحوثي، تبدلت فيها ملامحنا، وتآكلت أحلامنا، وتحولت تفاصيل حياتنا اليومية إلى رحلة كفاح مريرة من أجل البقاء. لم يكن هذا الانقلاب مجرد حدث سياسي عابر، بل كان زلزالاً هدم سقوف بيوتنا، وسرق استقرارنا، وقذف بنا جميعاً إلى أرصفة المعاناة وشظف العيش.

أنا واحد من آلاف الذين طحنهم هذا الوضع الواقف. أحد عشر عاماً مضت وأنا أرى أحلامي الكبيرة تتساقط كأوراق الخريف. أنا الذي أمضيت سنوات عمري في بلاط الصحافة والإعلام، أتنقل بين الكلمات، وأصيغ الأخبار، وأحمل هموم المجتمع عبر منبري الإعلامي، وجدت نفسي فجأة مجبراً على التخلي عن شغفي وقلمي. تخلّيت عن عملي الإعلامي الذي كان هويتي وصوتي، وتحولت مجبراً إلى عامل بسيط بأجر يومي، أحمل الحجر وأمارس الشقاء الجسدي، فقط لكي أشتري كيس دقيق يسد رمق أطفالي. لم يكن قراراً سهلاً، بل كان غصة في الحلق، وقهرٌ يهد الجبال؛ أن تجلس لتكتب عن أوجاع الناس يوماً، ثم تجد نفسك في اليوم التالي تقف في طابور العمال تنتظر من يطلبك لعمل شاق، تلك هي المعادلة القاسية التي فرضها علينا هذا الواقع المرير.

المسؤولية التاريخية: من الذي سرق منابرنا وأقواتنا؟

حين أتساءل بمرارة وأنا أسمح عرق التعب عن جبيني: "من المسؤول عن وقف حالنا؟"، تشير أصابع الوجع بوضوح إلى سلطة الأمر الواقع التابعة لجماعة الحوثي. هم الذين قادوا الانقلاب وصادروا مؤسسات الدولة، وهم المسؤولون مباشرة عن هذا التجويع الممنهج عبر:

قطع المرتبات وتجفيف الأرزاق: حين نهبوا خزينة الدولة ومواردها، وقطعوا رواتب الموظفين لسنوات، لم يقطعوا المال فقط، بل قطعوا حبل الأمان عن آلاف الأسر التي باتت بلا دخل شهري يعينها على نوائب الدهر.

خنق الحريات وتكميم الأفواه: لقد جعلوا من العمل الإعلامي المستقل والمحايد تهمة تقود إلى الملاحقة، فخنقوا المؤسسات الإعلامية ودفعوا بأصحاب الأقلام والكوادر المتعلمة إلى رصيف البطالة أو المهن الشاقة خوفاً وقسراً.

الغلاء الفاحش والجبايات الكارثية: بسياساتهم الاقتصادية القائمة على الجبايات والإتاوات والجمارك المزدوجة، تضاعفت أسعار الغذاء والدواء والوقود، ليصبح العيش الكريم حُلماً بعيد المنال حتى لمن يعمل ليل نهار.

المعاناة المعيشية: حين يصبح البقاء هو الإنجاز الأكبر

في طريقي اليومي إلى العمل كعامل بسيط، أرى وجوهاً تشبهني؛ معلمين يقفون على بسطات الخضار، وأطباء يبحثون عن فرص بديلة، وآباء يعودون إلى منازلهم مطأطئي الرؤوس لعجزهم عن توفير قيمة حبة دواء أو أسطوانة غاز منزلي. لقد سُرقت الطفولة من أطفالنا الذين تسربوا من المدارس ليساعدونا في كسب القوت، واغتيلت طموحات الشباب الذين باتت أقصى أمانيهم هجرة غير شرعية عبر بحار مجهولة هرباً من جحيم هذا الواقع المأساوي.

صمود رغم انكسار القلب

رغم أنني استبدلت قلمي بمعدات العمل الشاق، ورغم أن هذه السنوات الإحدى عشرة قد أخذت من عافيتي وروحي الكثير، إلا أن الكرامة اليمنية بداخلنا لا تموت. نعمل بشرف، ونكافح بعزة نفس، ونرفض الاستسلام في مستنقع الإذلال والتجويع الذي أرادوا إسقاطنا فيه، متشبثين بالأمل في غدٍ يستعيد فيه الوطن عافيته.

أحد عشر عاماً ضاعت من عمري وعمر جيل كامل في نفق مظلم من الفقر والعوز. المسؤول عن هذا الوضع الواقف هو كل من استرخص كرامة اليمني وصادر حقه في الحياة والعمل والتعبير. ورغم أنني اليوم أعمل عاملاً بسيطاً بعد أن كنت إعلامياً يشار إليه بالبنان، إلا أنني عبر منبر عدن الغد أرفع صوتي وصوت كل عامل وموظف ومقهور: هذا الحال لن يدوم، والكلمات التي خنقوها ستعود يوماً لتكتب نهاية هذا الظلم، وتستعيد العائلات اليمنية حياتها الكريمة التي تليق بها وبإنسانيتها.