آخر تحديث :الإثنين-26 أكتوبر 2026-10:57ص

معركة اليمن اليوم معركة وعي وتحرير للعقول وليست مجرد معركة انقلاب على السلطة

الأحد - 25 أكتوبر 2026 - الساعة 11:33 م
دبوان الشرعبي


لم تعد المعركة في اليمن اليوم مجرد معركة انقلاب على السلطة أو صراع على كرسي الحكم كما يعتقد البعض بل أصبحت معركة وعي وفكر ومعركة من أجل تحرير العقول من الخرافة والتبعية والتقديس الأعمى للأشخاص.

إن جوهر المعركة التي يخوضها اليمنيون اليوم يتجاوز حدود المواجهة العسكرية والسياسية ليصل إلى عمق الوعي الإنساني الذي يحدد موقف الإنسان من وطنه وحريته وكرامته ومستقبله. فهناك معركة بين عقل يؤمن بالحرية والكرامة والمواطنة وبين عقل يستسلم للتبعية ويمنح الأشخاص قداسة فوق النقد والمساءلة.

إن أخطر ما تواجهه المجتمعات ليس السلاح وحده بل الأفكار التي تحول الإنسان إلى تابع لا يفكر وإلى أداة تنفذ ما يملى عليها دون أن تسأل أو تناقش أو تبحث عن الحقيقة. وعندما يصبح تقديس الأشخاص بديلا عن التفكير ويصبح الولاء للفرد أقوى من الولاء للوطن تتحول السياسة إلى نوع من العبودية الفكرية ويصبح الإنسان مستعدا للدفاع عن الخطأ لمجرد أن من يرتكبه هو الشخص الذي يؤمن به.

ومن هنا فإن معركة اليمن الحقيقية هي معركة الانتقال من عبادة الأشخاص وتقديس الأفكار الخاطئة إلى الإيمان بقيمة الإنسان وحقه في التفكير والاختيار والمساءلة. وهي معركة ضد كل أشكال الوصاية على العقول وضد تحويل الدين أو السياسة أو الشعارات إلى وسائل لإلغاء إرادة الإنسان وسلبه حقه في النقد والاختلاف.

إن تحرير اليمن لا يتحقق باستعادة المؤسسات أو تغيير موازين القوة العسكرية والسياسية فحسب بل يحتاج أيضا إلى تحرير العقول من ثقافة الخضوع وتربية الأجيال على التفكير النقدي واحترام القانون وقبول الاختلاف والإيمان بأن لا أحد فوق المساءلة مهما كانت مكانته أو شعاراته.

فالأوطان لا تبنى بعقول أسيرة ولا تنهض مجتمعاتها بالتبعية العمياء وإنما تنهض عندما يصبح المواطن قادرا على التمييز بين الحقيقة والوهم وبين المشروع الوطني ومشروعات الهيمنة وبين من يخدم الوطن ومن يستخدمه لتحقيق مصالحه الخاصة.

إن الحرية الحقيقية تبدأ من داخل الإنسان قبل أن تتحول إلى واقع سياسي واجتماعي. وحين يتحرر العقل من الخوف والتضليل والتقديس الأعمى يصبح الإنسان أكثر قدرة على الدفاع عن وطنه وحقوقه وكرامته.

لهذا فإن معركة اليمن اليوم هي معركة وعي قبل أن تكون معركة سلطة ومعركة تحرير للعقول قبل أن تكون معركة تحرير للأرض. فالأرض التي تتحرر ويبقى عقل الإنسان أسيرا قد تعود إلى دائرة الاستبداد من جديد أما حين يتحرر العقل ويدرك الإنسان قيمة حريته وكرامته فإن الطريق يصبح ممهدا لبناء دولة تقوم على المواطنة والعدالة وسيادة القانون.

إن معركة الوعي هي المعركة التي تحدد مستقبل اليمن فإما أن ينتصر العقل وتنتصر الحرية أو تستمر دوامة التبعية وتقديس الأشخاص وتظل الأوطان رهينة للأفكار التي تصادر إرادة الإنسان.