لم يكن الحصار الذي فُرِض على مدينة تعز اليمنية مجرد إجراء عسكري عابر في خارطة الحرب، بل تحوّل على مدار سنوات طوال إلى قضية إنسانية أخلاقية تُدمي قلب كل من يحمل في صدره ذرة من ضمير. تعز، التي عُرِفت تاريخياً بأنها "عاصمة اليمن الثقافية"، ومنبع النخب والفكر، وجسر العبور نحو التحديث، وُجِدت فجأة بين فكي كماشة حصار خانق قطّع أوصالها وشلّ حياة أبنائها، ليطرح الجميع السؤال الموجع: بأي ذنبٍ حُوصِرت تعز؟
لقد عوقبت تعز لا لشيء إلا لأنها كانت وما زالت تحمل لواء المدنية، ولأنها رفضت الانكسار أمام مشاريع الهيمنة وقوى السلاح. هذا العقاب الجماعي الذي فرضه الحوثيون على المدينة تمثل في إغلاق المنافذ الرئيسية، وتحويل رحلة الدقائق القليلة بين وسط المدينة وأطرافها إلى رحلة موت شاقة تستغرق ساعات طويلة عبر طرق جبلية وعرة وغير آمنة. هذا الحصار لم يكن استهدافاً لجبهات عسكرية، بل كان خن
قاً متعمداً للمدنيين؛ للأطفال الذين حُرِموا من الذهاب بسلام إلى مدارسهم، وللمرضى الذين قضوا على أعتاب الطرقات الوعرة وهم يبحثون عن أسطوانة أكسجين أو جرعة علاج، وللأسر التي تشتت شملها بين أجزاء المدينة الواحدة.
إن المعاناة الإنسانية في تعز تجاوزت كل الخطوط الحمراء والقوانين الدولية، وأصبحت شاهداً حياً على عجز المجتمع الدولي وفشل الضغوط الدبلوماسية. فرغم الاتفاقيات والهدن المتكررة والمشاورات التي رعتها الأمم المتحدة، ظلت قضية فك حصار تعز تُساق في المقايضات السياسية، ويجري التملص منها ووضع العراقيل أمام تنفيذها، وكأن دماء أبناء هذه المدينة وحقهم الإنساني الأساسي في حرية الحركة والتنقل مجرد ورقة للمساومة.
الحديث عن تعز ليس حديثاً عن بقعة جغرافية معزولة، بل هو حديث عن جوهر القضية اليمنية. فاستمرار حصار المدينة هو تكريس للأزمة وإمعان في تعميق الشرخ الاجتماعي والوطني. لا يمكن لأي مسار سلام في اليمن أن يكتسب المصداقية أو يحقق الاستقرار المستدام ما لم يضع حداً قاطعاً ومباشراً لهذه المأساة، وينتزع قيود الحصار عن هذه المدينة الصابرة.
إن تعز التي صمدت في وجه آلة الحرب والحصار، وأثبتت أن روحها الثقافية والمدنية أقوى من طوق الحصار، لا تستجدي عطفاً بل تطالب بحقٍ كفلته كل الشرائع السماوية والمواثيق الدولية. لقد حان الوقت لينتهي هذا الجرح النازف، وأن يدرك العالم بأكمله أنه لا سلام حقيقي ولا استقرار لليمن دون أن تت
نفس تعز الصعداء، وتُفتح أبوابها للحياة من جديد.