تعز هي تجسيد حي لصورة التضحية والمعاناة التي عاشتها وتعيشها غزة، مدينتان فرقتهما الجغرافيا، وجمعتهما آلام الحصار والخوف والفقد، وصمود الإنسان في وجه القسوة. في تعز، كما في غزة، يدفع المدنيون الثمن الأكبر للصراعات، وتواجه الأسر ظروفا قاسية في سبيل البقاء، ويتمسك الناس بحقهم في الحياة والكرامة والأمان، رغم ما يحيط بهم من أوجاع وتحديات.
إن ما عاشته تعز وما تزال تعانيه يضعنا أمام سؤال أخلاقي وسياسي مهم: كيف يمكن لمن يرفع شعار نصرة المظلومين أن يتجاهل معاناة المظلومين في محيطه؟ وكيف يمكن أن تتحول القضية الفلسطينية، بما تمثله من قيمة إنسانية وعربية وإسلامية، إلى خطاب إعلامي يستحضر عند الحاجة، بينما تبقى معاناة اليمنيين، وفي مقدمتهم أبناء تعز، حاضرة بكل تفاصيلها؟
إن جماعة الحوثي، التي ترفع شعار مناصرة غزة ومواجهة المشروع الصهيوني، تواجه اليوم اختبارا حقيقيا لمصداقية خطابها. فالقيم لا تقاس بالشعارات وحدها، ولا تثبت المواقف بوفرة الخطب والبيانات، وإنما تقاس بمدى احترام الإنسان وحقوقه، وبالقدرة على التمييز بين مقاومة الظلم وممارسة ما ينظر إليه بوصفه ظلما بحق الآخرين.
ومن هذا المنطلق، يرى كثير من اليمنيين أن التناقض بين خطاب نصرة غزة والواقع الذي تعيشه مناطق يمنية، ومنها تعز، يثير تساؤلات مشروعة حول حقيقة هذه الشعارات وأهدافها. فكيف يمكن إقناع العالم بصدق نصرة شعب يتعرض للمعاناة، دون تقديم نموذج يحترم كرامة الإنسان وحقه في الحياة والأمان داخل الوطن نفسه؟
إن التشابه بين معاناة تعز وغزة لا يعني تطابق الظروف السياسية والعسكرية، لكنه يؤكد حقيقة واحدة: أن المدنيين هم الأكثر تضررا عندما تتحول الصراعات إلى حصار ومعاناة ممتدة، وأن حقوق الإنسان لا ينبغي أن تخضع للانتقاء السياسي أو الحسابات الإعلامية.
غزة ليست شعارا يرفع لتحقيق مكاسب سياسية، وتعز ليست قضية يمكن تجاوزها أو التقليل من آلام أبنائها. فالقضية الفلسطينية أسمى من أن تكون أداة للدعاية، ومعاناة اليمنيين أكبر من أن تختزل في حسابات الأطراف المتصارعة. ومن يناصر غزة بصدق، ينبغي أن ينطلق من مبدأ ثابت يرفض الظلم أينما كان، وينحاز إلى المدنيين وحقوقهم، دون ازدواجية في المعايير.
إن نصرة المسلمين لا تكون بالمزايدة على مشاعرهم، ولا باحتكار قضاياهم، بل بمواقف عملية تحمي الإنسان وتخفف معاناته وتدافع عن حقه في الحرية والكرامة. أما تحويل المآسي إلى منصات دعائية، فهو ما يجعل الشعارات موضع شك، ويضع أصحابها أمام مسؤولية أخلاقية لا يمكن تجاوزها بالخطابات.
وتبقى تعز شاهدا على أن الشعوب لا تنسى آلامها، وأن الذاكرة الإنسانية لا تمحى بالدعاية، وأن التضامن الحقيقي يبدأ بالاعتراف بمعاناة المظلوم، أيا كان موقعه أو هويته.
إن تعز وغزة ليستا ميدانا للمزايدات السياسية، بل قضيتان إنسانيتان تستحقان موقفا صادقا. ومن أراد أن ينتصر للحق في غزة، فعليه أن يجعل احترام الإنسان مبدأ لا يتجزأ، وأن يدرك أن قيمة الشعارات تختبر في المواقف، لا في المنابر.