ليست المعارك المفصلية تلك التي تُحسم فيها المواجهات على الأرض وحدها، بل هي أيضاً تلك التي تُحسم فيها المواقف، وتنكشف فيها الحقائق، وتسقط الأقنعة التي طالما اختبأت خلف الشعارات البراقة والكلمات المنمقة.
ففي لحظات الاختبار الحقيقي، لا يعود الكلام كافياً لإثبات المواقف، ولا تعود الشعارات قادرة على إخفاء التناقضات؛ إذ يصبح الموقف نفسه هو المعيار، ويغدو الصمت موقفاً لا يقل دلالة عن الكلام.
لم تعد غزة وحدها حكاية الحصار والوجع في وجدان اليمنيين. ففي تعز، المدينة التي أنهكها الحصار وأثقلتها سنوات الحرب، تتكرر فصول من المعاناة الإنسانية تحت وطأة حصار مليشيات الحوثي الإرهابية، وما تتعرض له من قصف وسقوط ضحايا من أبنائها، بينهم أطفال ونساء.
تعز مدينة تتطلع إلى الحياة، وتتشبث بحقها في الأمن والكرامة، لكنها تجد نفسها في مواجهة واقع قاسٍ لا ينتهي عند حدود الدمار، بل يمتد إلى اختبار الضمائر والمواقف.
وهنا يبرز السؤال الذي لا يمكن تجاوزه:
أين ذهبت الأصوات التي ارتفعت يوماً باسم الإنسانية؟
أين أولئك الذين ملؤوا المنابر بالحديث عن المظلومية، ورفعوا شعارات نصرة المظلوم، واستدعوا الضمير الإنساني في كل مناسبة؟
لماذا خفتت أصواتهم حين تعلق الأمر بتعز؟
ولماذا لم تحظَ معاناة أبنائها بالقدر نفسه من الاهتمام والغضب والتضامن؟
لسنا هنا بصدد المقارنة بين وجعين، ولا المفاضلة بين دماء الضحايا، فدم الطفل في غزة لا يختلف في قيمته الإنسانية عن دم الطفل في تعز، وحق الإنسان في الحياة والكرامة لا يتجزأ بتجزؤ الجغرافيا، ولا يتغير بتغير هوية الضحية أو الجهة التي تقف خلف معاناتها.
مأساة تعز تستحقه، وأي محاولة لوضع المظلومين في ميزان الانتقاء السياسي هي إساءة إلى جوهر الإنسانية قبل أن تكون إساءة إلى الضحايا أنفسهم.
لكن المشكلة تبدأ حين تتحول الإنسانية من مبدأ أخلاقي ثابت إلى شعار انتقائي، وحين يصبح التعاطف مرتبطاً بهوية الضحية، ويصبح الغضب مشروطاً بهوية الجاني، وحين تُفتح المنابر على اتساعها لمأساة، بينما تُغلق الأبواب أمام مأساة أخرى لأن ضحاياها لا ينسجمون مع الحسابات السياسية أو الاصطفافات الأيديولوجية.
عندها لا يعود الصمت مجرد غياب للكلام، بل يصبح سؤالاً أخلاقياً مشروعاً:
هل كانت تلك المواقف نابعة من إيمان حقيقي بحق الإنسان في الحياة، أم كانت مجرد ظهور ومشاهدات فقط؟
وهل كانت نصرة المظلوم مبدأً لا يتغير، أم مجرد موقف يرتفع صوته حين يخدم اتجاهاً معيناً، ثم ينخفض حين يصبح الضحية من خارج دائرة الاهتمام؟
لقد كشفت تعز، بمعاناتها وصمود أبنائها، جانباً من هذه التناقضات. لم تكن بحاجة إلى خطابات جديدة بقدر حاجتها إلى مواقف صادقة.
لماذا تتسع دائرة التضامن أحياناً، ثم تضيق حين تتعارض مع قناعات سياسية أو انتماءات سلالية؟
إن أخطر ما تفعله ازدواجية المعايير أنها لا تظلم الضحايا وحدهم، بل تفرغ الشعارات من معناها، وتحوّل القضايا العادلة إلى أدوات في معارك الاصطفاف.
فالذي يدافع عن الإنسان لا يحتاج إلى أن يسأل عن هويته قبل أن يدافع عن حقه، والذي يؤمن بالعدالة لا ينتقي ضحاياه وفقاً لموقفه السياسي من الجاني، والذي يرفع شعار الحرية لا يجوز أن يصمت عنها حين يصبح انتهاكها محرجاً لحساباته.
لهذا، فإن ما تكشفه تعز اليوم ليس مجرد غياب بعض الأصوات، بل هو انكشاف الفجوة بين الشعارات والممارسة، وبين الادعاء الأخلاقي والاستعداد لتحمل تبعاته.
لقد وضعت هذه المدينة كثيراً من المواقف أمام مرآة الحقيقة، وتركت أصحابها في مواجهة سؤال لا يمكن الهروب منه..
هل كانت الإنسانية مبدأً لديكم، أم موقفاً مؤقتاً تحكمه ظروف انتمائكم لسلالة الهواشم؟
لا يحتاج اليمنيون إلى خطابات تعاطف موسمية، ولا إلى أصوات تتذكر مآسيهم حين تتوافق مع أجنداتها، ثم تنساهم حين تتغير الحسابات. إنهم بحاجة إلى موقف أخلاقي واضح، يرى الضحية ضحية، والجريمة جريمة، والدم دماً، أياً كانت الجغرافيا التي سال فيها، وأياً كانت الهوية التي يحملها صاحبه.
تعز لا تطلب من أحد أن يخفض صوته من أجل غزة، بل تطلب ألا يتحول ذلك الصوت إلى صمت حين يتعلق الأمر بها. لا تطلب أن تُقسم الإنسانية بين المدن، بل أن تكون الإنسانية واحدة، وأن تكون العدالة واحدة، وأن يكون للدم البريء الميزان نفسه أينما سُفك.
ففي نهاية المطاف، قد تنجح الشعارات في حشد الجماهير، وقد تصنع الكلمات صورة براقة لأصحابها، لكن المواقف وحدها هي التي تبقى شاهدة على حقيقة أصحابها.
وحين تنتهي المعارك، وتُطوى صفحات الأحداث، لن يكون السؤال الأهم:
من رفع صوته أكثر؟ بل: من بقي وفياً لمبادئه حين اختُبرت؟
ومن دافع عن الإنسان لأنه إنسان، لا لأنه ينتمي إلى الجغرافيا التي يحبها أو القضية التي توافق هواه؟
لقد جعلت تعز من معاناتها مرآة للمواقف، ومن صمودها امتحاناً للضمائر.
وفي المعارك المفصلية، لا تسقط الأقنعة لأن الحقيقة تصرخ فحسب، بل لأنها تصبح أقوى من قدرة أصحاب الأقنعة على إخفائها.