قراءة كتاب سلام مسافر، الصحافي الذي عاش ردحاً طويلاً في الاتحاد السوفياتي وما بعده، المعنون «على تخوم الإمبراطورية من برجنيف إلى بوتين» الذي شرح فيه أسباب انتهاء العهد السوفياتي، جعلتني أحاول المقارنة بين الاتحاد السوفياتي والجمهورية الإيرانية، حيث التشابه في الكثير من العناصر جلي، كلاهما يمكن تصنيفه بالحكم الشمولي، الأول علماني والثاني ديني، وكيف يمكن للسلطة أن تقيم جدار عزلة معرفية، وتضع الناس بين خيارين إما الطاعة أو البقاء. لا أعتقد أن التاريخ يعيد نفسه، لكنني أرى أن الأنظمة قد تختلف في عقائدها وتتشابه في أسباب ضعفها. فتتكرر العوامل التي تجعل دولة قوية في الخارج عاجزة عن معالجة أمراضها في الداخل. الشهادات التي تركها صحافيون عايشوا أفول الاتحاد السوفياتي تكشف مجتمعاً ابتعد تدريجياً عن اللغة التي تتحدث بها قيادته. كان الحزب يشرح انتصارات الاشتراكية، بينما يقف المواطن في طابور للحصول على حاجاته. وكانت امتيازات المسؤولين وأسرهم تقول شيئاً مختلفاً عما تقوله المنابر. هناك بدأ التصدع، في المسافة بين الكلام المعلن والحياة الفعلية. ترسل الدولة رجلاً إلى الفضاء، ويظل الفلاحون يحصدون غلتهم بالمنجل، تصنع الدولة الصواريخ، وينتظم قادتها في طقوس!
أرى في التجربة الإيرانية شيئاً مشابهاً للاتحاد السوفياتي. رفعت الثورة شعار نصرة المستضعفين، ثم نشأت حول السلطة مؤسسات ومصالح يصعب إخضاعها للمحاسبة. والمواطن الذي يسمع عن العدالة يريد أن يراها في دخله وفرصة عمله ومستقبل أولاده. لا تكفيه مطالبة دائمة بالصبر، خصوصاً عندما يبدو أن التضحية موزعة على الناس بدرجات مختلفة، وأن القريب من القرار أقل تعرضاً لتكلفته.
العامل الثاني اقتصادي. لم يسقط الاقتصاد السوفياتي فجأة، فقد تراكم الجمود وضعفت الحوافز وتأخر التصحيح. وفي إيران يتداخل القمع مع سوء الإدارة والتضخم واختلال الاستثمار.
ثم تأتي تكلفة المشروع الخارجي. تحمّل الاتحاد السوفياتي أعباء سباق التسلح والحلفاء والحروب، بينما كانت حاجات الداخل تتسع. وفي الحالة الإيرانية، أرى أن التوسع عبر الجماعات المسلحة حمل تكلفة تتجاوز الأموال المتوفرة، أو أدى إلى تضييق فرص التنمية الداخلية. ما قيمة النفوذ في عاصمة عربية إذا كان المواطن في بلده يعاني انقطاع الكهرباء وتراجع قيمة عملته؟
وتلتقي التجربتان في الاعتقاد بأن العقيدة تمنح أصحاب السلطة معرفة لا يملكها الآخرون. الحزب احتكر تفسير حركة التاريخ، والقيادة الإيرانية تربط جانباً من شرعيتها بتفسير ديني للسياسة. المشكلة هنا في تحويل الاجتهاد السياسي إلى حقيقة فوق النقد. ويتحول الحاكم إلى عقيدة!
أدركت القيادة السوفياتية متأخرة أن النظام يحتاج إلى تغيير، لكن إجراءاتها البطيئة فتحت صراعات عجزت عن ضبطها. وفي طهران يبدو الخوف من مصير مشابه حاضراً في مقاومة الانفتاح. غير أن إغلاق طريق الإصلاح لا يلغي الحاجة إليه؛ إنه يؤجل معالجة الاختلال، ويتركه يتفاقم داخل مؤسسات يزداد اعتمادها على الحماية الأمنية.
أما المجتمع فلا يبقى عند عمر الثورة. ظهرت في الاتحاد السوفياتي أجيال لم تعد تستجيب للوعود القديمة، وفي إيران أجيال تريد حياة طبيعية، وحرية شخصية، وفرصة اتصال بالعالم. المرأة وعنوانها مهسا أميني 2022، التي طالبت بحقها فقتلت، وتبع قتلها حراك واسع، والعامل الذي يطالب بأجره، والطالب الذي يرفض الوصاية، لا يمكن تفسير مطالبهم جميعاً باعتبارهم أدوات أجنبية. هذا التفسير يريح السلطة ويمنعها من الفهم. وتضيف كتابات المعارضة الإيرانية إلى هذه الصورة نقداً لاحتكار الثروة، وتراجع الخدمات، وتقديم الالتزامات الخارجية على حاجات المجتمع. لا أتعامل مع كل ما تقوله المعارضة بوصفه حقيقة مكتملة؛ فهي متعددة الاتجاهات ولها حساباتها. لكن تكرار الشكاوى المعيشية والسياسية الواضح للعيان يستحق الفحص، خصوصاً عندما يجد ما يسنده في المؤشرات الاقتصادية، ولا يصح إسقاطه بمجرد التشكيك في قائليه. هناك أيضاً مسألة المركز والأطراف. ساعدت البنية الاتحادية السوفياتية النخب المحلية على تحويل الاعتراض إلى استقلال. إيران مختلفة، ولا يجوز افتراض أن تنوعها القومي والمذهبي يقود حتماً إلى التفكك. الذي يمكن مقارنته هو أثر التمييز وغياب المشاركة. فالمواطنة المتساوية تقوي الدولة، بينما يجعل التعامل الأمني مع المطالب المحلية الروابط الوطنية أكثر تعرضاً للاهتزاز، كما نشاهد عند الكرد والتركمان والبلوش والعرب.
وأخيراً، لم يحسم مصير الاتحاد السوفياتي السخط الشعبي وحده. كان انقسام القيادة وتعطل قدرتها على الاتفاق عاملين حاسمين. وهذه نقطة تحسب عند النظر إلى إيران. قد يتراجع الرضا ويبقى النظام قادراً على الاستمرار ما دامت مؤسساته الأساسية متماسكة. لذلك فإن رصد الخلاف بين مراكز القوة في إيران أهم عامل يمنعها من الوصول إلى وفاق مع الخارج. والضغط الخارجي، في تقديري، يسرع ظهور العيوب أكثر مما يخلقها من العدم. وقد يمنح الحكم فرصة لتأجيل المحاسبة باسم مواجهة العدو، لكنه لا يصلح إدارة فاشلة، ولا يحول الشعارات إلى خبز على موائد الناس. قناعتي أن العوامل الرئيسية مشتركة، عقيدة تعلو على المراجعة، واقتصاد تثقله الخيارات السياسية الخاطئة، ونخبة تحمي امتيازاتها، ومجتمع يتغير أسرع من حكامه. الاختلاف في شكل النهاية وتوقيتها، وقد تكون تحولات طويلة لا انهياراً مفاجئاً. المطلوب فهم أسباب التآكل، لا تحديد موعد السقوط.
آخر الكلام: قد يكون التخلي عن الاعتقاد أقل إيلاماً من تحمل تناقضه.