آخر تحديث :السبت-24 أكتوبر 2026-11:18ص

اليمن.. 12 عاماً من الحرب: كيف أخفقت السعودية في الحسم ومهّدت الانقسامات لتمدد مليشيات الحوثي؟

الجمعة - 23 أكتوبر 2026 - الساعة 11:38 م
نشوان سليمان


نشوان سليمان


منذ انطلاق عملية «عاصفة الحزم» في مارس 2015، بقيت استعادة الدولة اليمنية وإنهاء انقلاب مليشيات الحوثي الهدف المعلن للتحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية. وقد مثّلت العملية آنذاك بارقة أمل لملايين اليمنيين، خصوصاً بعد تمدد المليشيات وسيطرتها على مؤسسات الدولة ومناطق واسعة من البلاد. لكن مرور ما يقارب اثني عشر عاماً على اندلاع الحرب يكشف فجوة كبيرة بين الأهداف المعلنة والنتائج المحققة؛ فالدولة لم تستعد حضورها الكامل، ومليشيات الحوثي ما تزال تسيطر على صنعاء ومناطق واسعة، فيما تعاني المناطق الخاضعة لسلطة الحكومة المعترف بها دولياً من الانقسام السياسي والعسكري وضعف المؤسسات والخدمات.

لم تكن المشكلة في غياب القوة العسكرية أو الدعم الخارجي، بقدر ما كانت في غياب استراتيجية متكاملة تحوّل التفوق العسكري إلى مكاسب سياسية وميدانية مستدامة. فقد اعتمدت الحرب بدرجة كبيرة على الضربات الجوية، من دون أن يقترن ذلك ببناء قيادة عسكرية يمنية موحدة وقادرة على إدارة المعارك وتثبيت نتائجها. ومع تعدد التشكيلات المسلحة وتباين ولاءاتها ومصادر تمويلها، تراجعت قدرة الحكومة على حشد قواتها ضمن مشروع وطني واحد، وأصبحت مناطق الشرعية ساحة لتقاسم النفوذ بقدر ما كانت جبهة لمواجهة مليشيات الحوثي. وتشير دراسات بحثية إلى أن تعدد مراكز القوة والرعاية الخارجية أسهم في إضعاف الحكومة وتعقيد مسار الحرب.


وكان للدور الإماراتي في جنوب اليمن أثر مباشر في تعميق هذا الانقسام. فبدلاً من أن ينحصر الدعم العسكري في تقوية مؤسسات الدولة اليمنية، دعمت أبوظبي تشكيلات أمنية وعسكرية خارج التسلسل القيادي للحكومة، من بينها قوات مرتبطة بالمجلس الانتقالي الجنوبي. ومع مرور الوقت، تحولت هذه التشكيلات إلى مراكز قوة مستقلة، واندلعت مواجهات بينها وبين القوات الحكومية، أبرزها أحداث عدن في عامي 2018 و2019، التي كشفت حجم التناقض بين أهداف أطراف التحالف نفسه.

وجاء توقيع اتفاق الرياض في نوفمبر 2019 لاحتواء الصراع وإعادة ترتيب الأوضاع السياسية والعسكرية، لكنه لم ينجح في إنهاء ازدواجية السلطة والسلاح أو دمج جميع القوات ضمن قيادة حكومية موحدة. وهكذا لم تعد الحكومة تواجه مليشيات الحوثي وحدها، بل باتت مطالبة أيضاً بإدارة صراعات داخل المعسكر المناهض للانقلاب، في وقت كان يفترض أن تتوحد فيه الجهود لاستعادة مؤسسات الدولة. ولا يعني ذلك أن الدور الإماراتي وحده يفسر تعثر الحرب، لكنه كان عاملاً رئيسياً في تكريس الانقسام، إلى جانب ضعف الحكومة وإخفاق السعودية في فرض إطار عملي ملزم لتوحيد القوى المدعومة من التحالف.


وظهر أثر هذا الخلل بوضوح في ساحل تهامة الغربي، حيث تشكلت قوى عسكرية متعددة بدعم خارجي، من دون أن تنتظم جميعها بصورة كاملة ضمن قيادة الحكومة الشرعية. كما أن القوات التي يقودها طارق عفاش في محيط المخا تلقت دعماً سعودياً وإماراتياً، لكنها عملت بصورة مستقلة عن حكومة الرئيس عبدربه منصور هادي، وفق تقارير بحثية أميركية. وقد أسهم تعدد القيادات ومراكز القرار في إضعاف وحدة الجبهة، وأثار مخاوف متكررة لدى أبناء تهامة من أن تتحول التضحيات العسكرية إلى أوراق نفوذ، بدلاً من أن تكون جزءاً من مشروع وطني واضح لتحرير المناطق الخاضعة لسيطرة مليشيات الحوثي.


وفي ديسمبر 2018، شكّل اتفاق ستوكهولم بشأن الحديدة محطة مفصلية في مسار الحرب. فقد جاء الاتفاق لتجنب تصعيد يهدد المدنيين والميناء الحيوي، وهو اعتبار إنساني لا يمكن تجاهله، لكنه لم يتحول إلى تسوية شاملة، كما تعثر تنفيذ بنوده وتراجعت فرص البناء عليه سياسياً. وكان الإخفاق الأبرز في عدم استثمار الاتفاق لوضع مسار واضح ومتكامل يضمن تنفيذ الالتزامات، ويحمي المدنيين، ويمنع مليشيات الحوثي من توظيف توقف العمليات لتعزيز مواقعها وقدراتها. وبذلك بقيت الحديدة عقدة عسكرية وسياسية، فيما ظل سكان تهامة يدفعون كلفة استمرار الصراع وتداعياته الإنسانية.


ولا يمكن تحميل السعودية وحدها مسؤولية الإخفاق، فالحكومة اليمنية نفسها تتحمل جانباً مهماً من المسؤولية. فقد أخفقت قياداتها المتعاقبة في بناء مؤسسات فاعلة، وتوحيد القرار العسكري، ومكافحة الفساد، وتقديم نموذج حكم قادر على كسب ثقة المواطنين. كما أن الخلافات داخل مكونات الشرعية جعلت القرار السياسي متردداً، فيما انشغل بعض المسؤولين بالصراع على المناصب والنفوذ أكثر من انشغالهم باستعادة الدولة وتخفيف معاناة المواطنين. ومع تشكيل مجلس القيادة الرئاسي عام 2022، كان المأمول أن تتوحد المكونات المختلفة تحت قيادة واحدة، لكن التباينات السياسية والعسكرية استمرت، وظلت وحدة القرار وقدرة المؤسسات على فرض سلطتها موضع اختبار.


أما السعودية، فقد امتلكت على مدى سنوات الحرب نفوذاً سياسياً وعسكرياً واقتصادياً كان يمكن توظيفه بصورة أكثر فاعلية لربط الدعم الخارجي بأداء المؤسسات، وفرض معايير واضحة للمساءلة، وإلزام القوى المدعومة منها ومن حلفائها بالعمل تحت قيادة وطنية واحدة. ولم تكن الخلافات السعودية الإماراتية خافية منذ سنوات، كما كشفت الأحداث في عدن واتفاق الرياض عن عمق التباين بين أولويات الطرفين. لذلك لم يكن جوهر الإخفاق في غياب المعرفة بهذه الخلافات، بقدر ما كان في عدم تحويل تلك المعرفة إلى ترتيبات ملزمة تمنع تضارب الأهداف وتشكيل جيوش متوازية داخل المعسكر نفسه.


وتكشف التطورات التي شهدها جنوب اليمن أواخر عام 2025 ومطلع عام 2026 أن صراع النفوذ لم يكن خلافاً عابراً، بل أحد الملفات التي أعادت تشكيل المشهد السياسي والعسكري. فقد تصاعد التوتر بين الرياض وأبوظبي، وشهد الجنوب تحولات ميدانية وسياسية، ترافقت مع انسحاب القوات الإماراتية المتبقية وفق تقارير منشورة خلال عام 2026. ومع اتساع الدور السعودي في دعم الحكومة والقوى المرتبطة بها، بقي التحدي الأساسي قائماً: هل يمكن تحويل هذا التحول إلى فرصة لبناء سلطة موحدة، أم سيعاد إنتاج الانقسامات نفسها بأسماء وتحالفات مختلفة؟ فانسحاب طرف خارجي أو تراجع نفوذه لا يكفي وحده لاستعادة الدولة ما لم يصاحبه إصلاح مؤسسي وعسكري حقيقي ،في المقابل استغلت مليشيات الحوثي الانقسامات داخل معسكر خصومها لتعزيز سيطرتها وتطوير قدراتها العسكرية، بما في ذلك الصواريخ والطائرات المسيّرة. ولم يكن صمودها نتيجة قوتها الذاتية فقط، بل ارتبط أيضاً بقدرتها على استثمار الفراغ السياسي، وتماسك قيادتها مقارنة بتشتت خصومها، فضلاً عن الدعم الإيراني الذي أسهم في تعزيز قدراتها. ومع استمرار الانقسام، ظلت الحكومة عاجزة عن تحويل ما امتلكته من دعم سياسي وعسكري إلى ضغط متراكم يفرض تسوية تضمن استعادة مؤسسات الدولة أو يغيّر موازين القوى بصورة حاسمة.


إن تقييم قرارات السعودية في اليمن لا ينبغي أن يتحول إلى إنكار لدورها في دعم الحكومة اليمنية، ولا إلى تجاهل للتضحيات التي قدمها التحالف، لكنه يتطلب مراجعة صريحة للسياسات التي أطالت أمد الحرب. فقد كان من أبرز أوجه القصور عدم توحيد القيادة العسكرية، والتساهل مع قيام قوى مسلحة خارج مؤسسات الدولة، وعدم ربط الدعم بمسار واضح للمساءلة والإصلاح، إلى جانب ضعف الضغط على القيادات اليمنية التي أخفقت في أداء مسؤولياتها.


لقد أثبتت سنوات الحرب أن حسم المعركة لا يتحقق بالقوة العسكرية وحدها، كما أن دعم الحكومة لا يكفي إذا بقيت منقسمة وعاجزة عن إدارة المناطق الخاضعة لسلطتها. والطريق إلى تغيير الواقع يبدأ بتوحيد القوات تحت قيادة وزارة الدفاع، وإنهاء ازدواجية القرار الأمني والعسكري، وإصلاح مؤسسات الحكومة، ومعالجة المظالم والقضايا المحلية، وفي مقدمتها حقوق أبناء تهامة في الشراكة والتمثيل العادل وإدارة مناطقهم ضمن الدولة.


في النهاية، لم تكن معضلة اليمن نقصاً في الإمكانات بقدر ما كانت أزمة في إدارة الإمكانات وتضارب الأهداف. وبينما دفعت البلاد ثمن الانقسام، استفادت مليشيات الحوثي من إطالة أمد الحرب. وما لم تتقدم استعادة الدولة على حسابات النفوذ، وتصبح وحدة القرار والقيادة شرطاً أساسياً لأي دعم سياسي أو عسكري، فإن سنوات أخرى قد تمر من دون تحقيق الهدف الذي انطلقت من أجله عاصفة الحزم: إنهاء الانقلاب واستعادة الدولة اليمنية.