آخر تحديث :السبت-24 أكتوبر 2026-11:18ص

كارثة العلم – والفزعة الشبوانية

الجمعة - 23 أكتوبر 2026 - الساعة 10:56 م
عبدربه هشله ناصر


يُقال إنه في الأوقات الحرجة والمنعطفات القاسية تظهر معادن الرجال وعندما تلمّ الكوارث والمحن تنكسر أصنام الفرقة على صخرة الأخوة والتلاحم وهذا ما ضربه أبناء محافظة شبوة أثناء الكارثة حيث قدموا أروع الأمثلة في الوفاء والتضحية وجعلوا من مأساة الاستهداف الصاروخي لمعسكر العلم يوم 19 أكتوبر 2026، الذي راح ضحيته أكثر من 70 شهيداً ونحو 200 جريح ملحمة كبرى من التضامن الشعبي و"الفزعة" الأصيلة التي امتدت لتشمل كل بيت وقرية في مديرية عتق خاصة وشبوة عامة، والمنشآت الطبية.

لم تكن تلك اللحظات من ذلك اليوم الأسود التي أعقبت الهجوم إلا جرحاً نازفاً في قلب كل إنسان وطني حر وبينما كانت المستشفيات تعاني من تدفق الأعداد الهائلة من الجرحى والمصابين انطلقت الفزعة الشبوانية الشعبية العفوية التي لم تنتظر توجيهاً ولا أوامر بل لبت نداء النخوة والضمير الإنساني لتبدأ معركة إنسانية كبرى لإنقاذ الأرواح وتضميد الجراح، تمثلت في الآتي:

- فتح المستشفيات الخاصة جنباً إلى جنب مع المستشفيات الحكومية لاستقبال أعداد الجرحى وتوفير الرعاية الفورية لهم دون تردد أو إبطاء وسُخرت كافة الغرف والعمليات والأجهزة الطبية وبذلت الكوادر الطبية جهوداً إنسانية عالية في استقبال الجرحى وعلاجهم بكل تفانٍ وإخلاص.

- تحولت عتق عاصمة محافظة شبوة إلى خلية نحل وميدان يتسابق فيه الجميع لتقديم العون

- سجل طلاب وطالبات كلية الطب بجامعة شبوة موقفاً مشهوداً إذ تدافعوا فور وقوع الفاجعة إلى أروقة المستشفيات ووقفوا جنباً إلى جنب مع الطواقم الطبية في عمليات الإسعاف الأولي والفرز الطبي وتقديم العلاجات العاجلة متسلحين بمهارتهم وروح الواجب الإنساني.

- تزاحم الشباب على طوابير المتبرعين بالدم أمام المستشفيات.

- ضرب بعض ملاك الحافلات ووسائل النقل أروع صور النخوة والشهامة حيث سارعوا بالتبرع بنقل الجرحى والمصابين والأهالي مجاناً بين المعسكر والمستشفيات وسهلوا حركة التنقل في أوقات الحرج والضغط الشديد.

- تبرع بعض ملاك محطات غاز السيارات والبترول بتعبئة السيارات الناقلة للجرحى بالوقود مجاناً.

- تداعى الكثير من الشباب لتشكيل فرق عمل شبابية لإعداد وتجهيز الوجبات الغذائية للجرحى ومرافقيهم وللطواقم الطبية المرابطة ليجسدوا أعلى صور التكافل الاجتماعي بما في ذلك القرى المجاورة لعتق وبعض المديريات.

- شكل أبناء شبوة المقيمون في حضرموت خط دفاع إنساني آخر حيث توافدوا بكثافة إلى مستشفيات حضرموت لمرافقة الجرحى وتقديم وجبات الغذاء والسكن لهم وتوفير احتياجاتهم وتسهيل إجراءات علاجهم.

إن هذا التدافع الشعبي والميداني والأكاديمي والرسمي لم يكن مجرد استجابة إنسانية عابرة بل كان رسالة بليغة مفادها أن الروابط الأخوية والنسيج المجتمعي أصلب من أن تنال منه آلات الدمار والإرهاب ولقد أثبتت دماء الشهداء والنخوة والفزعة الشبوانية أنها السلاح الأقوى في مواجهة الموت وستبقى ملحمة "معسكر العلم" محفورة في ذاكرة التاريخ ليس فقط لهول الفاجعة بل لعظمة التلاحم التي تجلت فيها.

نسأل الله تعالى الرحمة للشهداء والشفاء للجرحى.

23 أكتوبر 2026م