إن المتأمل في حال المواطن اليوم يدرك حجم المعاناة التي أثقلت كاهله، بين فقر مدقع وغلاء فاحش أتى على الأخضر واليابس، حتى أصبح يبحث عن بصيص أمل يستر به عورته المعيشية، فتأتيه بعض القرارات كالصاعقة لتزيد الطين بلة وتثقل حمله حملاً فوق أحماله.
فكرة إنشاء شبكة اتصالات تغطي مجمل الأراضي الجنوبية وبسط نفوذها على كل المحافظات المحررة، فكرة صائبة ومتقنة وخطوة في الاتجاه الصحيح، ولا يختلف عليها اثنان، خاصة في ظل الاختراقات المتكررة والخطيرة لشبكة يمن موبايل من قبل مليشيا الحوثي، والتي جعلت من اتصالات المواطن مكشوفة ومخترقة.
لكن الطامة الكبرى أن تستغل حاجة المواطن وعوزه تحت مسميات وطنية براقة، لتحول الوطنية إلى مشروع تجاري جشع يتربص وينهش في جسد المواطن المنهك.
فرض مبلغ 30 ألف ريال قيمة لشريحة سبأفون، هو عمل تجاري فج، يخلط أوراق التجارة بالوطنية خلطاً مشيناً، ولا يقل ضراوة وخبثاً عن الأعمال التي يرتكبها الحوثي نفسه، فكلاهما ينهش المواطن، هذا بسلاح التجسس وذاك بسلاح التجويع.
فأي وطنية هذه التي يدفع ثمنها المواطن الجائع من قوت أبنائه؟ وأي استغلال رخيص هذا؟
إننا ندرك تماماً أن من يقف خلف بيع المعلومات وتسريبها للحوثي، غالباً ما تدفعه الحاجة والعوز، فحين يشتد الفقر والغلاء وينهك كاهل المواطن ولا يجد ما يقتات به، يلجأ عنوة ومكرهاً إلى ممارسة أعمال تضر بأرضه وتجعل ناسه عرضة لهلاك محقق.
وهنا بيت القصيد، إذا كان الهدف أمني بحت يصب في مصلحة الوطن وأمنه القومي، فالمواطن الجنوبي هو أول من سيبادر إلى رمي شريحة يمن موبايل واستبدالها بشريحة سبأفون، بل وسيعتبر ذلك واجباً وطنياً مقدساً.
أما أن نجعل من الوطنية سلعة ومزاداً علنياً تتفنن فيه بعض القيادات المتنفذة بالإبحار على بطون الجوعى والمتاجرة بمعاناتهم، فهذا عمل دنيء تتبرأ منه الوطنية براءة الذئب من دم يوسف.
وكان الأجدر والأولى بالحكومة والجهات المعنية، إن كانت صادقة في نواياها، أن تسلك مسلك التيسير لا التعسير، وأن تطرح الشريحة بأسعار رمزية تشجيعية، تسهيلاً على المواطن ليسارع لاقتنائها كعمل وطني يجنب الوطن أي مخاطر أمنية، لا أن تجعله يدفع ثمن وطنيته من جيبه الخاوي فرضاً وقسراً وإجباراً على الشراء وهو لا يملك قوت يومه