آخر تحديث :السبت-24 أكتوبر 2026-11:18ص

وهم العداء كيف تخدم الميليشيات مشاريع تقسيم الشرق الأوسط

الجمعة - 23 أكتوبر 2026 - الساعة 07:38 م
ماجد عبدالله الناصري


لم تعد السيطرة على الشرق الأوسط تحتاج إلى جيوش ولا إلى احتلال مباشر باهظ الثمن ما جرى في السنوات الأخيرة يقول إن التفكيك من الداخل أنجع وارخص وإن أقصر طريق اليه هو النفخ في الشروخ الطائفية والمذهبية وهكذا تتحول جماعات مسلحة إلى أدوات تعيد رسم الخرائط وتضعف الدول على النحو الذي تصوره منظرو الجغرافيا السياسية في الغرب

من لويس إلى الخرائط

يحضر هنا المستشرق برنارد لويس وتحديدا مقاله إعادة التفكير في الشرق الأوسط الذي نشرته مجلة فورين أفايرز عام 1992 استخدم فيه مفهوم اللبننة ورأى أن الدول العربية إذا ضعفت سلطتها المركزية فقد تنتهي إلى مصير لبنان فسيفساء من الطوائف والكيانات المتناحرة ولم تبق الفكرة حبرا على ورق فقد ظهرت في خرائط وسيناريوهات لتقسيم المنطقة أشهرها خريطة حدود الدم التي نشرها رالف بيترز في مجلة القوات المسلحة الأمريكية عام 2006 ومقال جيفري جولدبرج ما بعد العراق في مجلة ذا أتلانتيك عام 2008 الذي تأمل كيف قد تغير حرب العراق شكل المنطقة

عداء في الظاهر وخدمة في الواقع

يمكن فهم هذه الظاهرة من خلال ما يسمى التخادم الوظيفي غير المباشر نحن لسنا أمام عمالة تقليدية ولا تنسيق في غرف مغلقة فيكفي أن تلتقي نتائج مشروع عقائدي مع أهداف قوى دولية سبق أن نظر لها لويس وغيره ورغم الخطاب المعادي للغرب الذي ترفعه الفصائل الشيعية المسلحة فإن حصيلة سلوكها العملي تصب في مصلحة الغرب من ثلاث جهات

الأولى هي تفكيك الدولة الوطنية حين تعلو الولاءات المذهبية العابرة للحدود على المواطنة تتآكل الجيوش الوطنية وتحل محلها ميليشيات تحبس كل مجتمع في كانتونه وهذا تطبيق شبه حرفي للبننة

الثانية هي شرعنة التدخل الأجنبي استعراض القوة الفوضوي وتهديد السلم الأهلي يمنحان الغرب غطاء جاهزا للتدخل المباشر تحت عنوان حماية الأقليات أو تأمين خطوط التجارة

الثالثة هي عزل الموارد الفرز المذهبي للمناطق الغنية بالثروات يسهل اقتطاعها من عمقها الوطني تمهيدا لإدارتها ككيانات منفصلة كما تخيلتها خرائط التقسيم

اليمن مختبرا

في الحالة اليمنية تظهر هذه الديناميكية بأوضح صورها فقد قدم الحوثيون نموذجا لتحويل الخطاب المذهبي إلى أداة لتدمير الدولة ومن أين جاءت قوتهم المتصاعدة لم تنشأ من فراغ فهي تقوم في بنيتها على دعم إيراني مفتوح تقنيات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة وخبرات التوجيه والتدريب عبر الحرس الثوري وميليشيات إقليمية حليفة ودعم سياسي غربي وهي إذ تسعى إلى اقتطاع ما تعده نصيبها تخدم عمليا الرؤية التي تحدث عنها لويس

وفي الداخل أقامت الحركة نظاما سياسيا قائما على الفرز السلالي والمذهبي فأحدثت شروخا عميقة في الهوية اليمنية الجامعة التي رسختها ثورتا 26 سبتمبر و14 أكتوبر ووضعت البلاد عمليا على طريق التقسيم الطائفي والمناطقي

وفي الوقت نفسه جاء استهداف الملاحة في باب المندب تحت لافتة مواجهة الغرب ذريعة ذهبية وهدية استراتيجية للولايات المتحدة وحلفائها فتحول البحر الأحمر من ممر مائي ذي سيادة يمنية وعربية إلى ثكنة عسكرية دولية مفتوحة وسلبت إرادة الدول المشاطئة لصالح تحالفات بحرية غربية مثل حارس الازدهار

أما إقليميا فقد أدى جعل اليمن منصة انطلاق للمشروع الإيراني إلى استنزاف ثروات الجوار العربي وقدراته وفي مقدمته السعودية فاتجهت الموارد المالية والعسكرية إلى صراعات جانبية بدل البناء والاقتصاد وبقي الإقليم كله في توتر لا ينتهي وهذا يخدم المصالح الأمريكية والدولية

ومن هنا يأتي السؤال المحرج لماذا بدت واشنطن وكأنها تتحالف ضمنا مع الحوثي وتترك السعودية تواجه مصيرها وحدها حتى وصلت الصواريخ إلى الرياض فبينما وقفت السعودية بصلابة ضد مشروع تقسيم اليمن ودعمت الشرعية ومؤسسات الدولة المعترف بها في مواجهة الانقلاب اعتمدت واشنطن سياسة أقرب إلى الإنهاك المزدوج صحيح أن بحريتها ضبطت أكثر من مرة شحنات سلاح إيرانية متجهة إلى الحوثيين لكنها تذبذبت سياسيا رفع تصنيف الجماعة من قوائم الإرهاب في فبراير 2021 ثم أعيد تصنيفها جزئيا في يناير 2024 بعد هجمات البحر الأحمر وقيد في الأثناء الدعم العسكري للتحالف ورأى كثيرون في ذلك ورقة ابتزاز سياسي وعسكري للرياض وإبقاء للميليشيات خنجرا في خاصرة دول الخليج بما يضمن استمرار الاستنزاف الذي يمنع أي استقرار عربي مستقل هل سألتم أنفسكم لماذا ذهب الغرب كاملا للدفاع عن الحوثي عندما كانت قواتنا على مشارف ميناء الحديدة

وتبقى المأساة الحقيقية في هذه المفارقة نفسها فبينما ترفع الجماعات المذهبية عقيرتها بشعارات المواجهة ونصرة العقيدة تقول لنا النتائج على الأرض شيئا آخر إنها تنجز بدقة متناهية المهام ذاتها التي طرحت في أروقة التفكير الاستراتيجي الغربي منذ عقود من إسقاط الدولة الوطنية وتمزيق النسيج الاجتماعي وتقسيم الجغرافيا على أساس طائفي إلى تسليم مفاتيح الممرات المائية للسيطرة الدولية