آخر تحديث :الجمعة-23 أكتوبر 2026-11:10ص

القبائل التي أسقطت الدولة… ومشايخ المصالح وتجار الحرب في ظل الحوثي

الجمعة - 23 أكتوبر 2026 - الساعة 10:22 ص
حسين علي باهميل


إن الحديث عن سقوط الدولة اليمنية وسيطرة جماعة الحوثي لا يمكن أن يظل محصوراً في قوة الجماعة وحدها؛ فثمة سؤال أكثر إيلاماً يجب أن يُطرح بصراحة: كيف استطاعت جماعة أن تتمدد وتسيطر على مؤسسات الدولة، لولا وجود أطراف فتحت لها الأبواب، وأخرى تخلّت عن مسؤوليتها الوطنية، وثالثة وجدت في الفوضى فرصة لتحقيق مصالحها؟

إن القبائل اليمنية، بما تملكه من قوة اجتماعية وتاريخية، كان يُفترض أن تكون حصناً للدولة والجمهورية، لا بوابةً لعبور مشروع يسلب اليمنيين دولتهم وقرارهم. لكن الواقع كشف عن تفاوت كبير في مواقف القبائل ومشايخها؛ فمنهم من واجه الحوثي وضحّى بدمه وماله، ومنهم من ساند تمدده، ومنهم من اختار الصمت أو المساومة، بحثاً عن نفوذ أو مصلحة أو حماية لمكاسب شخصية.

ومن الإنصاف أن نؤكد منذ البداية أن القبيلة اليمنية ليست كتلة واحدة، ولا يجوز تحميل جميع القبائل ومشايخها مسؤولية سقوط الدولة. فهناك رجال قبائل وطنيون وجمهوريون دفعوا أثماناً باهظة، ولا يزالون يقاومون المشروع الحوثي، وهناك أسر وقبائل قدّمت الشهداء والمعتقلين والمشرّدين دفاعاً عن الجمهورية وكرامة اليمنيين.

لكن احترام تضحيات هؤلاء لا يعني السكوت عن الآخرين، ولا يمنح مشايخ المصالح وتجار الحرب حصانة من المساءلة.

من أسقط الدولة؟ ومن يتاجر ببقائها رهينة؟

لا يمكن فصل ما حدث في سبتمبر 2014 عن شبكة التحالفات السياسية والعسكرية والقبلية التي سبقت سقوط صنعاء. فقد استفاد الحوثيون من انقسامات القوى اليمنية، ومن تحالفهم مع قوات وشبكات موالية للرئيس السابق علي عبدالله صالح، ومن حسابات بعض المشايخ الذين قدّموا مصالحهم وتحالفاتهم على مصلحة الدولة. وتشير دراسات متخصصة إلى أن هذه العلاقات أسهمت في تسهيل تمدد الحوثيين قبل سيطرتهم على العاصمة. 

وهنا يجب أن نقول الحقيقة كما هي: لم يسقط الحوثيون الدولة وحدهم؛ بل ساهم في سقوطها أيضاً من فتح لهم الطريق، ومن حيّد خصومهم، ومن باع موقفه السياسي مقابل نفوذ أو مصلحة.

والمشكلة لا تقف عند لحظة السقوط، بل تمتد إلى ما بعدها؛ إذ أصبح بعض المشايخ والنافذين جزءاً من منظومة المصالح التي رسّخها الحوثيون في المناطق الخاضعة لسيطرتهم. وتشير أبحاث حديثة إلى استفادة شخصيات قبلية متعاونة من المناصب والامتيازات الاقتصادية وشبكات النفوذ، في حين تعرض الرافضون للإكراه والقمع. 

هؤلاء هم الذين ينبغي أن يتجه إليهم النقد: مشايخ المصالح، وتجار الحرب، والقيادات السياسية التي تتبدل مواقفها بتبدل موازين القوة، فتتحدث عن الجمهورية حين تكون في مصلحتها، وتصمت عنها حين تصبح الجمهورية عبئاً على مصالحها.

الزنابيل والقيادات السياسية… من يدفع الثمن ومن يحصد المكاسب؟

إن المأساة اليمنية لا تتمثل فقط في جماعة استولت على مؤسسات الدولة، بل أيضاً في وجود طبقة من المنتفعين الذين يتعايشون مع الانقلاب، ويبحثون عن مواقع داخل منظومته، بينما يدفع المواطن اليمني ثمن الحرب من دمه وقوت أطفاله ومستقبل أبنائه.

وفي هذا السياق، فإن استخدام مصطلحات مثل «الزنابيل» و«الزنادقة» بوصفها أوصافاً مهينة لجماعات أو أشخاص لا يقدّم تفسيراً سياسياً كافياً؛ فالمعيار الحقيقي ليس الانتماء الاجتماعي أو القبلي، بل الموقف من الدولة والجمهورية، والسلوك الفعلي، وما إذا كان الشخص قد ساهم في الانقلاب أو انتفع منه أو قاومه.

فليس كل من يعيش في مناطق الحوثي مؤيداً له، وليس كل من يحمل صفة شيخ قبلي وطنياً بالضرورة، كما أن المناصب السياسية لا تمنح أصحابها صكّ الوطنية.

المطلوب هو محاسبة من ثبت تورطه، وكشف شبكات المصالح التي تستفيد من استمرار الحرب، وعدم مساواة من ضحّى بالجمهورية بمن ساهم في إسقاطها أو استثمر في انهيارها.

القبيلة أمام مسؤوليتها التاريخية

القبيلة اليمنية أكبر من أن تُختزل في مجموعة مشايخ، وأعرق من أن تتحول إلى أداة في يد أي مشروع سياسي أو مذهبي. وتاريخ اليمن مليء برجال قبائل وقفوا في وجه الاستبداد، ودافعوا عن كرامة الناس، وقدّموا أبناءهم في معارك الدفاع عن الجمهورية.

ولهذا، فإن إنصاف القبائل يبدأ بالفصل بين أبنائها الذين يقاومون الحوثي، وبين من يوظفون مكانتهم القبلية لتحقيق مكاسب شخصية. ولا يجوز أن يتحمل المواطن البسيط وزر شيخ باع موقفه، أو أن تُحمّل قبيلة كاملة مسؤولية قرار اتخذه أفراد منها.

إن الجمهورية لا تحتاج إلى مشايخ يساومون عليها، ولا إلى سياسيين يتاجرون بدماء اليمنيين، ولا إلى تجار حرب يطيلون أمد المأساة؛ بل تحتاج إلى رجال يؤمنون بأن الدولة فوق الأشخاص، وأن كرامة المواطن أغلى من المناصب والامتيازات.

وستظل الأسئلة قائمة أمام كل من شارك في إسقاط الدولة أو انتفع من بقائها رهينة: ماذا قدّمتم لليمن؟ وماذا قدّمتم للجمهورية؟ وكم من دماء اليمنيين تحوّلت إلى أرباح في حساباتكم؟

فالتاريخ لا يخلّد من جمع المال والنفوذ على أنقاض الأوطان، بل يخلّد من وقف مع شعبه حين تخلّى عنه أصحاب المصالح.