لم تعد الحروب التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط مجرد صراعات على السلطة أو تنافس على النفوذ بل أصبحت تهدد مستقبل المجتمعات العربية ووجودها في ظل صراع إقليمي تتداخل فيه الحسابات الإيرانية والإسرائيلية وتدفع الشعوب العربية ثمنه من دمائها وأمنها واستقرارها
في اليمن تتجلى هذه المأساة بوضوح حيث تحولت البلاد إلى ساحة للصراع الإقليمي وأصبح المواطن اليمني البسيط هو الضحية الأولى لحرب دمرت مؤسسات الدولة واستنزفت الاقتصاد ووسعت دائرة الفقر والجوع والمرض بينما تتراجع فرص السلام ويزداد تمزق المجتمع
ولا تقتصر آثار الحروب على الخسائر العسكرية والاقتصادية بل تمتد إلى تغيير الواقع السكاني والاجتماعي من خلال سقوط الضحايا والنزوح والتهجير وتدمير المدن والقرى ودفع السكان إلى مغادرة أراضيهم بحثا عن الأمان. ومع استمرار هذه الأوضاع يتعرض الوجود العربي في مناطق عديدة لضغوط تهدد استقراره وامتداده التاريخي
ومن هنا يبرز تساؤل خطير حول ما إذا كانت الحروب المتواصلة في الشرق الأوسط تصب في مسار يؤدي إلى إضعاف العرب وتقليص حضورهم حتى يصبحوا أقلية في منطقة كانوا ولا يزالون جزءا أساسيا من تاريخها وهويتها وحضارتها. إن القول بوجود خطة إيرانية إسرائيلية مشتركة تستهدف تقليص السكان العرب يحتاج إلى أدلة موثقة تثبت ذلك لكن نتائج الحروب والتهجير وتفكيك الدول تفرض على العرب التعامل بجدية مع المخاطر التي تهدد مستقبلهم
إن التنافس الإيراني الإسرائيلي على النفوذ يجري في منطقة تعاني فيها دول عربية من الانقسامات وضعف المؤسسات وتراجع القدرة على حماية الأمن الوطني. وكلما ازدادت هذه الدول ضعفا اتسعت مساحة التدخلات الخارجية وأصبحت الشعوب أكثر عرضة للاستنزاف وفقدان الاستقرار
المشكلة أن المواطن العربي البسيط هو من يدفع الثمن الأكبر لهذه الصراعات فهو من يفقد منزله ومصدر رزقه وأمنه بينما تتحمل الأجيال القادمة آثار الحروب على التعليم والاقتصاد والصحة والنسيج الاجتماعي
إن حماية الوجود العربي لا تكون بالشعارات أو بإشعال صراعات جديدة بل ببناء دول قوية وتعزيز التعاون العربي واستعادة القرار المستقل وحماية المواطنين من الفقر والتهجير وتوفير مقومات الحياة الكريمة. كما أن الحفاظ على الهوية العربية لا يعني العداء للشعوب الأخرى بل يعني الدفاع عن حق العرب في البقاء الآمن على أرضهم وصون ثقافتهم وتاريخهم ومصالحهم
إن معركة العرب الحقيقية اليوم هي معركة بناء الدولة وحماية الإنسان وإنهاء الحروب التي تستنزف مقدراتهم وتفتح أبواب بلدانهم أمام التدخلات الخارجية. فالأمم لا تحافظ على مكانتها بكثرة الشعارات بل بقوة مؤسساتها وتماسك مجتمعاتها وقدرتها على حماية حاضرها وصناعة مستقبلها