لم تعد الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة التابعة لمليشيا الحوثي الإرهابية التي تستهدف العاصمة عدن مجرد تصعيد عسكري عابر، بل باتت اختباراً جدياً لقدرة الحكومة اليمنية على حماية عاصمتها المؤقتة، وصون حياة سكانها، وتأمين مؤسساتها السيادية والمنشآت الحيوية فيها.
فخلال عشرة أيام، استهدفت المليشيا العاصمة عدن بأكثر من عشرة صواريخ باليستية، فضلاً عن الهجمات المتواصلة بالطائرات المسيرة المفخخة، في تصعيد يكشف عن خطورة التهديد الذي بات يطال المدينة، ويضع منظومتها الأمنية والدفاعية أمام استحقاق لا يحتمل التأجيل.
والمؤسف أن عدن، التي تحتضن مؤسسات الدولة وتشكل ملاذاً لآلاف الأسر النازحة، لا تمتلك منظومة دفاع جوي للتصدي لهذه التهديدات. وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: مدينة تحمل أعباء العاصمة، وتستقبل مسؤوليات الدولة ومؤسساتها، لكنها تظل عرضة لصواريخ ومسيرات مليشيا الحوثي الإجرامية، في ظل فجوة دفاعية تستوجب معالجة عاجلة.
إن خطورة هذا الواقع لا تكمن في استهداف المنشآت الحكومية وحدها، بل في اتساع دائرة المخاطر لتشمل الأحياء السكنية والمرافق المدنية وحياة المواطنين. فكل صاروخ يسقط، وكل طائرة مسيرة تتمكن من الوصول إلى أهدافها، يطرح أسئلة جوهرية بشأن مستوى الجاهزية، وفاعلية الإجراءات المتخذة لحماية المدينة، وقدرة المؤسسات المعنية على التعامل مع التهديدات المتكررة.
ولا يمكن النظر إلى استهداف عدن بمعزل عن أبعاده السياسية والعسكرية، فالهجمات الحوثية تحمل رسائل تتجاوز الأهداف المباشرة، وتسعى إلى إظهار العاصمة عدن في موقع مكشوف، وإرباك مؤسسات الحكومة، وزعزعة الأمن والاستقرار.
ولذلك، فإن مواجهتها لا ينبغي أن تقتصر على بيانات الإدانة والاستنكار عقب كل هجوم، بل تتطلب استراتيجية دفاعية وأمنية متكاملة تستبق التهديد وتحد من مخاطره.
إن حماية عدن لم تعد مسألة أمنية قابلة للتأجيل، بل مسؤولية وطنية وسيادية لا تقبل المساومة. ويبدأ ذلك بتوفير منظومة دفاع جوي مناسبة، وتعزيز قدرات الرصد والإنذار المبكر، وتطوير التنسيق بين المؤسسات العسكرية والأمنية، إلى جانب رفع مستوى حماية المنشآت الحيوية ووضع خطط واضحة للتعامل مع الطوارئ، بما يحفظ أرواح المدنيين ويحد من الأضرار المحتملة.
كما أن هذه المسؤولية تتطلب تحركاً جدياً من الحكومة ومجلس القيادة الرئاسي، بالتنسيق مع الشركاء الإقليميين، لتأمين الإمكانات الدفاعية اللازمة لمواجهة التهديدات المتصاعدة، بدلاً من ترك العاصمة رهينة تكرار الهجمات وانتظار نتائجها.
فعدن ليست مجرد مدينة تستضيف الحكومة، بل واجهة الدولة ومركز ثقلها السياسي والإداري، وأمنها جزء لا يتجزأ من أمن اليمن واستقراره.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: إلى متى ستظل عدن تواجه الصواريخ والمسيرات الحوثية بلا مظلة دفاع جوي تحميها؟