آخر تحديث :السبت-17 أكتوبر 2026-12:56ص

رحلة الوجع بين مستشفيات الوطن

الجمعة - 16 أكتوبر 2026 - الساعة 10:12 م
حسين سالم السليماني


حين يرتدي الألم ثوب السفر، وتتجسد المأساة في خطوات باحثة عن ومضة حياة، تتفجر الحكايات التي لا تُروى إلا بدموع الأرواح المعذبة. إنها رحلة طويلة مضنية، خطّتها أقدار امرأة تواجه مخاض الموت والحياة، وانطلقت فصولها من رحاب هيئة مستشفى الرازي بمحافظة أبين، لتمتد في مسيرة عذاب قاسية نحو مستشفيات العاصمة عدن، عاكسة واقعاً صحياً يئن تحت وطأة الإهمال والإنهاك المطبق.

المحطة الأولى: أبين.. حيث يُقدم السند الورقي على نبض الإنسان

بدأت الحكاية على عتبات مستشفى الرازي؛ حيث خضعت الحامل لفحوصات الطوارئ، وتبرع المرافقون برطلٍ من الدم، وأُعدّ الملف الطبي إيذاناً بإجراء العملية القيصرية العاجلة. غير أن الدهشة المرة اختصرت المشهد في سؤال متكرر على ألسنة الطاقم الطبي، قُبيل الاطمئنان على سلامة الجنين أو الأم: هل معك سند العملية؟.. وكأن الروح الإنسانية باتت رهينة إيصال ورقي، في تنكر صارخ لواجب الغوث والرعاية الأولية.

على الرغم من ذلك الجور، شهدنا عملاً جباراً ومضنياً وسط طابور طويل تجاوز الحادية عشرة من الحوامل بانتظار القيصرية، إلى جانب حالات الولادة الطبيعية التي ناهزت الثلاث عشرة حالة؛ طاقم يقاوم كثافة بشرية هائلة بإمكانيات شبه معدومة، مما يجعل العمل شبيهاً بالتعامل مع الجماد لا مع البشر.

لكن الكارثة الحقيقية تجلت بوضوح في أروقة قسم الترقيد؛ إذ صُمّت آذان الممرضات عن نداءات المرضى ومرافقيهم، وغاب الطبيب الباطني المناوب تماماً عن المشهد، ما جعل الاستغاثة في ساعات الخطر صرخة في وديان فارغة. تفاقمت حالة المريضة جراء تأخر إعطاء العلاجات في مواعيدها المقررة، ولم يظهر الطبيب الباطني إلا مع انكسار شمس الظهيرة ليلقي نظرة سريعة وعابرة، تنتهي بقرار مرير: الإسعاف الفوري إلى مستشفى الصداقة التعليمي العام في عدن.

المحطة الثانية: طريق الموت نحو عدن.. وانعدام أبسط مقومات النجاة

وما إن تحركت سيارة الإسعاف حتى تكشفت فصول جديدة من العبث؛ فلا نقالة إسعافية رافقت المريضة، ولا مسعف مختص من مستشفى الرازي رافق الحالة ليضمن سلامتها في طريق المجهول. وما هي إلا خمسة كيلومترات قطعتها السيارة حتى نفذ الأكسجين تماماً من الأسطوانات، ولم يبق سوى جسد المريضة المنهك يصارع اختناقه بصعوبة بالغة، في مشهد يحبس الأنفاس ويضع الحياة على حافة الهاوية.

وعند الوصول إلى مستشفى الصداقة، استقبلتنا ذات المعاناة القاسية؛ بلا استقبال لائق، وبلا مندوب طبي يسهل الإجراءات. مكثنا داخل سيارة الإسعاف الخالية من التكييف نحو ربع ساعة نبحث عبثاً عن نقالة نقل، ولم نجدها إلا بشق الأنفس. أما الفراش الذي وُضعت عليه المريضة، فقد كان قطعة خردة بالية لا تليق حتى بالجماد، فما بالك ببشر يلفظون أنفاسهم الأخيرة!

وبمساعدة شباب متطوعين خارج نطاق العمل الرسمي، حُملت المريضة يدوياً لعدم توفر مصعد كهربائي (لفت) يخدم قسم الولادة في الطوابق العليا. وبعد معاناة شاقة، كُتب لها الدخول إلى قسم العناية المركزة، ليكتشف المرافقون أن الشرط الأول والأساسي للدخول هو سداد رسوم يومية باهظة تفوق طاقة مجتمع أنهكه الفقر والعوز، نظير خدمات وُصفت زوراً بـ "المميزة"، بينما يخلو القسم من الدواء، وتقتصر الخدمة على مراقبة المريض من خارج المبنى من قبل المرافق له!

المحطة الأخيرة: أرصفة الانتظار وصوت الضمير الغائب

خلف جدران العناية المركزة، امتدت مأساة أخرى للمرافقين المرابطين ليل نهار على الأرصفة وتحت لهيب الشمس ورياح السهوب؛ حيث يفترشون الأرض ليكونوا على أهبة الاستجابة لأي نداء طارئ لجلب دواء من الصيدليات الخارجية. وسط هذا الإنهاك المطبق، غلب التعب أستاذاً جليلاً وإدارياً ماهراً غالبه النوم فلم يسمع النداء، حتى اضطر أحد العاملين في العناية إلى استعارة الدواء من مريض آخر يشاركه الوجع. وحتى الكراسي المتحركة المخصصة لذوي الاحتياجات الخاصة لم تسلم من الخراب، فأغلب عجلاتها متهالكة لا تعين مريضاً ولا تقضي حاجة.

وفي قسم الترقيد بالطوارئ، تتسلل بعض النساء مخزنات بالقات والشمة في انتهاك صارخ للتعليمات. وتُترك الممرضات أحياناً محاليل الوريد تتدفق بوتيرة سريعة للغاية حتى نفادها تماماً، دون أن تكلف أي منهن نفسها عناء المتابعة حتى يرتد الدم صاعداً في أنبوب القربة! وعندما تتعالى صرخات النساء مستنجدات، تأتي الممرضة ببرود تام ودون أدنى اعتذار، وكأن شيئاً لم يكن. أما دورات المياه في كلا المستشفيين، فخالية من الماء، ومن الأبواب المحكمة، ومن أبسط معايير النظافة التي تليق بكرامة الإنسان.

إنها صرخة استغاثة عارية أمام مرأى ومسمع الجميع.. ولكن، لمن نرفع الشكوى ومن نناشد؟ إن المسؤولين الذين يُرتجى منهم العون والعلاج ينعمون بمستشفيات خاصة بعيدة كل البعد عن هذا الوطن؛ فهذا الواقع المأساوي لا تطأ أقدامهم أو أقدام عوائلهم عتباته. لقد تحولت مستشفياتنا الحكومية إلى بيوت للخفافيش والفئران، متروكة لعامة الشعب المسحوق وحده يواجه مصيره المظلم.

إنها صرخة شعب ظُلم وقُهر.. وليس لنا سوى الله المشتكى.