آخر تحديث :السبت-17 أكتوبر 2026-12:56ص

من كسرى إلى الخميني.. حين سقط العرش وبقي المشروع

الجمعة - 16 أكتوبر 2026 - الساعة 09:38 م
د. سلطان مشعل


عبر امتداداتها التاريخية والجغرافية عُرفت الإمبراطوريات دوماً بعقيدتها العميقة التي "لا تُعلن"!.

لكنها تُقرأ وتُفهم من خلال سلوكها السياسي الثابت ومن إتجاهات خطوطها الطولية تاريخيا ودوائر عرضها الجغرافية التي لا يتغير!.

ومن بين كل الأمم التي صادمت العرب والمسلمين يظل "الفرس" حالة فريدة

ليس لأنهم الأقوى عسكرياً بل لأنهم الأكثر "خصوصية في التديّن" ولأنهم الأخطر في "التكيّف"!.

وهنا أدعو القارئ العربي لوقفة تشريح إكلينيكي للفرس بماهيتهم المادية وكينونتهم التاريخية وبفيسيولوجيتهم التوسعية عبر قراءتهم من زاوية "الجذور" والغوص بأعماقهم التاريخية والعقدية وفكرهم السياسي عبر التاريخ.

وهذا ما يمكن تناوله من خلال الزوايا والأبعاد التالية:


أولاً: البعد العَقَدي لدى الفرس:


لا شك أن الفرس كانوا وما زالوا "ديانة" لكنها بلا "دعوة"! وشكلوا عبر تاريخهم سلطة لكن دون تبشير وذلك منذ نشوء الإمبراطورية الساسانية.

واشتهر الفرس عبر تاريخهم بأنهم لم يكونوا دعاة عقيدة بقدر ما كانوا "مهندسي نفوذ"!.


وسواءً بديانتهم

الزرادشتية قديماً أو التشيع السياسي لاحقاً لم تُطرح (الفارسية) يوماً كمشروع عالمي مفتوح كما هو حال النصرانية واليهودية أوالحضارات العربية قبل الإسلام وبعده.

ولم يُعرف عن الفرس أنهم سعوا لإدخال الشعوب في دينهم بقدر ما سعوا لإدخالهم في "طاعتهم".

حتى في اليمن حين دخلوها متسللين بذريعة "مقاومة الاحباش" لم يكن هدفهم تحويل العرب إلى زرادشتيين، بل تحويلهم إلى تابعين!.

وهذا النمط لم يتغير لديهم بل تطوّر بإدخال وسائل عصرية في أساليب السيطرة وأدوات الهيمنة وذرائع الاستحواذ التي بلغت اليوم ذروتها في نسختهم الخمينية والتي معها لا يشترطون التشيع بقدر ما يشترطون الولاء.

بل إن التشيع نفسه لا قيمة له لديهم إن لم يُقرن بالانخراط السياسي في مشروعهم.

لذلك يعادون دولة شيعية كـ "أذربيجان" لأنها خارج نفوذهم ويدعمون قوى نصرانية كـ "الأرمن" للمصلحة.

كما وقفوا تاريخياً مع "الصرب" ضد مسلمي البلقان رغم وحدة الدين مع الطرف الآخر كما يدعون ذلك.


ثانياً: لماذا لم يسقط الفرس دينياً كما سقطوا سياسياً؟


من الملاحظ أنه حينما سقطت الإمبراطورية الفارسية في صدر الإسلام ترتب على ذلك انهيار الفكر الفارسي لدى الاتباع على عكس غيرهم من الروم مثلا الذين ظلوا نصارى وكـ اليهود الذين ظلوا يهوداً.

لكن الحال بالنسبة للفرس كان مختلفاً فقد قبلوا الإسلام "ظاهراً" وأعادوا إنتاج ذواتهم "باطناً"!


وهنا يكمن السؤال الأخطر:

هل كان ذلك تحوّلاً دينياً؟

أم استراتيجيةَ بقاءٍ حضاريٍ؟!


لقد احتفظوا بالنزعة الفارسية وكان بقاء تلك النزعة بقاء متجذراً لديهم رغم تبدّل الدين!

وذلك يشير إلى أن المسألة لم تكن عقيدة بقدر ما كانت "هوية إمبراطورية تبحث عن شكل جديد".


ثالثاً: لماذا حضر الروم في القرآن نصاً صريحاً في سورة سورة الروم بينما غاب الفرس؟


الجواب هنا ليس في الغياب بل في طبيعة الحضور أصلاً!!

فالروم كانوا قوة دينية مكشوفة تُمثل امتداداً كتابياً لـ (النصرانية).

أما الفرس فكانوا مجرد قوة حضارية مغلقة لا تقدم نفسها كدعوة عالمية.

لذلك القرآن يواجه ما يُشكّل وعي الناس لا فقط ما يُهددهم عسكرياً.

ولذلك ذُكر الروم لأن صراعهم مع الفرس كان صراع رؤى دينية عالمية بينما الفرس لم يكونوا مشروع هداية بل مشروع سيطرة.

أما الإشارات إليهم فقد وردت تلميحاً ضمن سياق "المجوس" لا باعتبارهم أمة دعوة بل كتجميعة بشرية ليس إلا !.


رابعاً: لماذا كان تركيز النبي محمد على الروم منصباً دون الفرس؟


إن النبي محمد ﷺ لم يكن يتحرك وفق ردّات فعل بل وفق أولويات استراتيجية.

ففي زمنه كان الروم هم القوة العالمية الأكثر تماسّاً مع المجال الإسلامي الناشئ وكانت لهم صبغة دينية تجعلهم طرفاً في جدل عَقَديٍ مباشر مع الإسلام.

أما الفرس فكانوا في مرحلة انكماش واضطراب داخلي مما جعل النبي ﷺ: يركّز على الروم (التهديد الخارجي العقدي والسياسي) بينما أبو بكر الصديق ركّز على الداخل (حروب الردة وتثبيت الدولة) في حين عمر بن الخطاب اتجه شرقاً نحو الفرس باعتبار تلك اللحظة لحظة "الحسم الاستراتيجي".

والواضح هنا أن ثلاثية الأدوار هذه لم تكن اختلافاً في الرؤية أو تباين في تقدير الخطر بل تكاملا في المراحل.


خامساً: الحديث "لا كسرى بعد اليوم" هل كان إعلان نهاية؟ أم بداية تحوّلٍ؟


قاله النبي ﷺ بعد أن مزّق كسرى كتابه. وهذه لم تكن مجرد نبوءة بل إعلان عن نهاية النموذج "الإمبراطوري الفارسي" بشكله القديم بالطبع!.


وما لم يُفهم جيداً

أن الكيان قد يسقط لكن النمط قد يبقى.

فقد سقط كسرى ولم تسقط "العقلية الكسروية". بل تحولت من عرش إلى شبكة ومن إمبراطورية إلى مشروع نفوذ ومن ديانة مغلقة إلى أداة سياسية مرنة.


من هنا يمكن القول بأن التاريخ لا يعيد نفسه لكنه يكشف من لا يتغير!.

فالفرس لم يكونوا يوماً مجرد أمة دخلت الإسلام بل كانوا مشروعاً أعاد "تشكيل نفسه داخل الإسلااااام".

وهنا تكمن الإشكالية الكبرى.

حين تفهم العدو كـ دين بينما هو يتحرك كـ حضارة.

وحين تواجهه كـ عقيدة بينما يدير صراعه كـ استراتيجية.!


أخيراً:

هل المشكلة فيهم؟

أم في طريقة قراءتنا لهم؟!

هنا وعلى ضوء ما ذُكر... لم يبق للسؤال "الفلسفي" أي مجال أو حيز من الفراغ يمكن له أن يشغله.