آخر تحديث :السبت-17 أكتوبر 2026-12:56ص

صنعاء ليست شعاراً .. والجمهورية ليست وعداً مؤجلاً

الجمعة - 16 أكتوبر 2026 - الساعة 08:30 م
محمد خالد الحسيني


لم تعد المعركة في اليمن مجرد مواجهة عسكرية على جبهات القتال بل أصبحت اختبارا حقيقيا لقدرة الدولة على استعادة قرارها السيادي وتوحيد مؤسساتها وإنهاء واقع تتعدد فيه مراكز القوة المسلحة

وبين الإصرار على مواصلة فجر اليمن وتصاعد التهديدات العابرة للحدود التي تطال المملكة العربية السعودية وتهدد الملاحة الدولية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب يبرز السؤال الأهم هل تمتلك الدولة أوراقا كافية لقلب معادلة القوة أم أن استمرار الانقسام سيبقي الحسم مؤجلا مهما ارتفعت نبرة الخطاب

في رأيي لا تكمن المشكلة في غياب أوراق القوة بل في تشتتها وضعف توظيفها ضمن استراتيجية وطنية متكاملة

فالشرعية السياسية والقانونية والقدرات العسكرية والبشرية والدعم الإقليمي والدولي والحاجة الشعبية إلى استعادة الاستقرار تمثل جميعها عناصر قوة حقيقية

لكن قيمتها تظل محدودة ما لم تجتمع حول هدف واضح وقيادة منسقة ومشروع دولة يتجاوز منطق المواجهة إلى معالجة أسباب الصراع وضمان عدم تجددها

وتأتي وحدة القرار العسكري والأمني في مقدمة هذه الأوراق فلا يمكن الحديث عن استعادة صنعاء فيما تتعدد مراكز القيادة وتتباين الأولويات وتستنزف الإمكانات في خلافات داخلية

وباعتقادي فإن توحيد القوات والتشكيلات العسكرية ضمن مؤسسات الدولة وتعزيز التنسيق والانضباط وتحديد المسؤوليات يمثل شرطا أساسيا لتحويل القوة المتاحة إلى قدرة فعلية على تغيير موازين الصراع

فالحروب لا تحسم بكثرة المقاتلين بل بوحدة القرار وكفاءة الإدارة والقدرة على تحقيق الأهداف بأقل كلفة ممكنة

لكن توحيد البندقية لن يكتمل من دون توحيد الإرادة السياسية إن استمرار التباينات بين القوى المناهضة للحوثيين يمنح خصومها فرصة لاستثمار الانقسامات وإطالة أمد الحرب

ومن هنا فإن المطلوب ليس إلغاء الاختلافات السياسية بل الاتفاق على مرجعية وطنية مشتركة قوامها استعادة الدولة وصون الجمهورية وإخضاع السلاح للقانون وضمان الشراكة في إدارة المؤسسات

وأرى أن الجبهة التي تتفق على عدوها دون أن تتفق على شكل الدولة التي تريد بناءها تظل معرضة للتفكك حتى بعد تحقيق مكاسب ميدانية

ولا تقل استعادة ثقة المواطنين أهمية عن توحيد القوات فالشرعية لا تقاس بالاعتراف الدولي وحده وإنما بقدرة الدولة على دفع الرواتب وتحسين الخدمات ومكافحة الفساد وحماية الحقوق وتوفير الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي

وفي نظري تمثل كفاءة الإدارة في المناطق الخاضعة للحكومة اختبارا عمليا لصدقية مشروع استعادة الدولة إذ لا يمكن إقناع اليمنيين بجدوى استعادة المؤسسات ما لم يلمسوا الفرق بين سلطة القانون وواقع الفوضى وبين الدولة التي تخدم مواطنيها والقوى التي توظف معاناتهم لمصلحة نفوذها

أما التهديدات العابرة للحدود بما فيها الهجمات التي تطال السعودية والمخاطر المحدقة بالملاحة في البحر الأحمر وباب المندب فتجعل الأزمة اليمنية أبعد من كونها شأنا داخليا

فهي تهدد أمن المنطقة والتجارة الدولية وتزيد احتمالات اتساع المواجهة وتفرض أعباء اقتصادية وأمنية إضافية

ومع ذلك فإن التعامل معها يتطلب تنسيقا إقليميا ودوليا يركز على حماية المدنيين والمنشآت الحيوية وحرية الملاحة ومكافحة تهريب السلاح ودعم مؤسسات الدولة دون الانجرار إلى تصعيد مفتوح يستنزف الجميع

فالمطلوب تحويل المخاطر المشتركة إلى دافع لتنسيق الجهود لا إلى عامل إضافي لتشتيتها

وفي هذا السياق تكتسب رسالة نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي الفريق أول ركن طارق صالح وشعاره موعدنا صنعاء وعهدنا الجمهورية دلالة تتجاوز التعبئة العسكرية

في رأيي يحدد الشعار وجهة المعركة ومرجعيتها السياسية صنعاء عنوان استعادة مركز الدولة والجمهورية أساس المشروع الوطني الذي ينبغي أن يحكم ما بعد الحرب

لكنه يضع صاحبه والقوى التي تتبناه أمام اختبار عملي فجدية الشعار لا تقاس بقوة عباراته بل بقدرته على توحيد الصف الجمهوري وتنسيق الجهود وتقديم نموذج مؤسسي يطمئن اليمنيين إلى أن استعادة العاصمة لن تعني إعادة إنتاج الانقسام أو استبدال سلطة مسلحة بأخرى

وتبقى الورقة الاقتصادية عاملا حاسما إذ لا يمكن خوض معركة طويلة باقتصاد منهك ومؤسسات تعاني ضعف الموارد

إن ضبط الإيرادات ومكافحة الفساد والتهريب وتأمين الرواتب والاحتياجات الأساسية وتعزيز الإنتاج ليست إجراءات مؤجلة إلى ما بعد الحرب بل شروطا للصمود واستعادة ثقة المجتمع

كما أن أي تقدم عسكري ينبغي أن يقاس بقدرته على تعزيز أمن المواطنين وتهيئة ظروف الاستقرار لا بمجرد اتساع نطاق العمليات

وخلاصة رأيي أن قلب المعادلة يبدأ من الداخل بتوحيد القرار وإنهاء الانقسام واستعادة الثقة الشعبية وتوظيف الشراكات الإقليمية والدولية ضمن استراتيجية وطنية واضحة

أما الحسم العسكري فلا يمكن ضمانه بالشعارات أو التوقعات بل يتطلب استعدادا مؤسسيا وتقديرا واقعيا للتحديات ومسارا سياسيا يمنع تجدد الحرب

إن موعدنا صنعاء يحدد الهدف وعهدنا الجمهورية يحدد المسؤولية وبينهما تختبر صدقية الإرادة الوطنية هل تتحول إلى دولة موحدة تحتكر السلاح المشروع وتحمي مواطنيها أم تبقى وعدا مؤجلا بفعل الانقسام فاستعادة صنعاء لا تكتمل بمجرد استعادة السيطرة عليها وإنما باستعادة الدولة التي تمثل جميع اليمنيين وتصون سيادتهم وتضع حدا لتحويل اليمن إلى ساحة مفتوحة للصراعات والتهديدات الإقليمية والدولية

محمد خالد الحسيني