حين تحاصر مدينة بحجم تعز وتغلق طرقها ويهدد سكانها بالجوع ومرضاها بالموت جراء انعدام الغذاء والدواء والوقود فإن القضية لا تعود مجرد معركة عسكرية بل تصبح امتحانا قاسيا لإرادة القيادة وصدق المواقف وجدوى كل الوعود المعلنة
تواجه تعز واحدة من أشد مراحل الحصار والتصعيد العسكري قسوة منذ سنوات في ظل اشتداد المعارك وإغلاق الطرق والمنافذ الحيوية وتفاقم الأوضاع الإنسانية والصحية والاقتصادية وبينما يدفع المدنيون ثمن المواجهات من أمنهم وقوتهم وأرواحهم تبدو المدينة وكأنها تترك لمصيرها وسط مشهد تتسع فيه الفجوة بين حجم المأساة ومستوى الاستجابة لها
في الجبهات الغربية ولا سيما منطقة الضباب تتجاوز خطورة المواجهات الحسابات الميدانية بالنظر إلى أهمية المنفذ الجنوبي الغربي سابقا الذي شكل شريانا حيويا لحركة السكان والإمدادات ومع إغلاق الطرق وتعثر وصول الاحتياجات الأساسية يشتد الخناق على مدينة أنهكتها الحرب ويصبح الحصول على الغذاء والدواء والمياه النظيفة والوقود معركة يومية أخرى يخوضها المدنيون
والأخطر أن الحصار لا يستهدف حركة الناس فحسب بل يضع حياة المرضى والأطفال والفئات الأشد ضعفا أمام مخاطر لا تحتمل الانتظار فحين ينعدم الوقود ويصبح مهددا بالتوقف تتعرض مراكز الغسيل الكلوي وأقسام العناية المركزة وحاضنات حديثي الولادة لخطر التعطل وحين تتراجع خدمات المياه والصرف الصحي تتفشى الأوبئة وتتحول الأزمة العسكرية إلى كارثة صحية وبيئية مفتوحة
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ماذا يحدث في تعز بل ماذا فعل المسؤولون لوقف ما يحدث
لقد سئم أبناء تعز لغة البيانات والإدانات والاستنكارات ولم تعد تكفيهم التصريحات التي تصف الحصار بأنه انتهاك جسيم أو عقاب جماعي محتمل فالمواقف مهما بلغت حدتها في صياغتها تفقد معناها حين لا تتحول إلى إجراءات ملموسة تنقذ المدنيين وتفتح الطرق وتخفف المعاناة
إن المسؤولية الوطنية تفرض على القيادة الشرعية مراجعة نهج التعامل مع معركة تعز واستعادة حضورها الفاعل داخل البلاد وتوحيد القرار العسكري وتعزيز التنسيق بين الجبهات وتسخير الإمكانات المتاحة لدعم صمود المدينة وفك الحصار عنها فتعز لا تحتاج إلى وعود جديدة بل إلى خطة واضحة وقرار مسؤول وتحرك جاد تقاس نتائجه بما يتحقق على الأرض لا بما يقال في البيانات والمنابر
وفي الوقت نفسه لا يجوز أن يبقى المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية والحقوقية أسرى لغة القلق والتنديد فيما تتفاقم المخاطر على المدنيين المطلوب تحرك إنساني عاجل لضمان وصول الإمدادات وضغط فعلي لحماية السكان ومساءلة قانونية تستند إلى الأدلة الميدانية بعيدا عن ازدواجية المعايير أو التعامل مع المأساة باعتبارها خبرا عابرا
تعز لا تطلب المستحيل إنها تطالب بحقها في الحياة وبطرق مفتوحة ودواء متاح وماء نظيف وقيادة تتحمل مسؤوليتها أما استمرار الحصار في مقابل تكرار البيانات فليس مجرد عجز في الخطاب بل فجوة مؤلمة بين المسؤولية والواجب
لقد آن الأوان لأن تنتقل قضية تعز من دائرة التوصيف إلى دائرة الفعل ففك الحصار ليس ترفا سياسيا ولا شعارا للاستهلاك الإعلامي بل أولوية وطنية وإنسانية لا تحتمل التأجيل والتاريخ لن يتوقف عند عدد البيانات التي صدرت بشأن تعز بل سيسجل ما إذا كانت هناك إرادة حقيقية لإنهاء معاناتها وفتح طرقها وحماية أهلها من الموت والحصار
تعز لا تحتاج إلى من يشرح مأساتها تحتاج إلى من ينهيها