آخر تحديث :الأربعاء-14 أكتوبر 2026-01:42ص

اليمن بين الزيدية والشافعية: ألف عام من الصراعات المذهبية والسياسية

الأربعاء - 14 أكتوبر 2026 - الساعة 12:34 ص
أشرف الشريف


لم يكن التاريخ اليمني مجرد تعاقب للدول والحكام، بل كان مسارًا طويلًا تداخل فيه الدين بالسياسة، وتحولت فيه الخلافات المذهبية، في مراحل عديدة، إلى أدوات للصراع على السلطة والنفوذ. وعلى مدى قرابة ألف عام، شهدت اليمن صراعات ارتبطت بالعلاقة بين الزيدية والشافعية، ولم تكن هذه الصراعات مجرد خلافات سياسية عابرة، بل أسهمت فيها أيضًا تصورات دينية ومذهبية من الجانبين، استُخدمت لتبرير الحكم والصراع وإضفاء الشرعية على النفوذ.


ترسخت الإمامة الزيدية في شمال اليمن منذ أواخر القرن الثالث الهجري، وانتشر المذهب الشافعي في مناطق واسعة من وسط البلاد وجنوبها وشرقها. ومع مرور الزمن، تداخل الاختلاف المذهبي مع التنافس على الحكم، وأصبحت الشرعية الدينية في بعض المراحل وسيلة لتثبيت سلطة الحكام ومواجهة الخصوم. ولم يكن الدين مجرد غطاء خارجي للسياسة في كل الحالات؛ فقد كانت المعتقدات والتفسيرات الدينية نفسها جزءًا من دوافع الصراع، إلى جانب المصالح القبلية والاقتصادية والاجتماعية.


ومن الإنصاف التاريخي الإقرار بأن العامل الديني والمذهبي أسهم في تأجيج الصراعات لدى أطراف مختلفة، ولم يكن حكرًا على طرف دون آخر فقد استندت قوى سياسية إلى تصوراتها الدينية لتبرير أحقيتها بالحكم، ونظر بعضها إلى الخلاف المذهبي باعتباره خلافًا يتجاوز الاجتهاد الفكري إلى مسألة الشرعية والولاء. وحين تتحول العقيدة إلى معيار لتحديد من يستحق السلطة ومن يُقصى عنها، يصبح الاختلاف الديني وقودًا للانقسام والحروب.


ومع ذلك، لا يمكن تفسير كل الحروب اليمنية بالدين وحده؛ فقد لعبت القبيلة والجغرافيا والموارد الاقتصادية والتدخلات الخارجية دورًا مهمًا في إشعال النزاعات واستمرارها. كما شهد التاريخ اليمني صراعات داخل المذهب الواحد، وتحالفات سياسية تجاوزت الحدود المذهبية، وهو ما يكشف أن الدين والسياسة والمصالح تداخلت بطرق معقدة، وأن أي قراءة للتاريخ تتجاهل أحد هذه العوامل ستظل ناقصة،

وفي القرن العشرين، مثّلت ثورة 26 سبتمبر 1962 تحولًا كبيرًا في شمال اليمن، إذ أسقطت نظام الإمامة وأعلنت الجمهورية،غير أن تغيير نظام الحكم لم يُنهِ فورًا آثار الانقسامات القديمة، كما أن الوحدة اليمنية عام 1990 لم تنجح في معالجة جميع الاختلالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي ظلت تغذي الصراعات.


ومع صعود الحوثيين وسيطرتهم على صنعاء عام 2014، عاد توظيف الهوية المذهبية والخطاب الديني إلى واجهة المشهد السياسي والعسكري. لكن اختزال الحوثيين في المذهب الزيدي، أو اعتبار الشافعية كتلة سياسية موحدة، خطأ تاريخي وسياسي؛ فالمذاهب الدينية ليست أحزابًا متجانسة، وأتباعها لا يتبنون بالضرورة المواقف السياسية نفسها. كما أن الصراع اليمني المعاصر يتجاوز الانقسام المذهبي ليشمل احتكار السلطة، وتفكك مؤسسات الدولة، والمظالم المتراكمة، والتدخلات الإقليمية.


إن المشكلة لا تكمن في مجرد وجود الزيدية أو الشافعية، بل في تحويل الاختلاف الديني إلى أساس للشرعية السياسية والإقصاء والصراع،فعندما يعتقد كل طرف أن تفسيره الديني يمنحه حقًا حصريًا في الحكم، ويمنحه سلطة تصنيف الآخرين أو الانتقاص من حقوقهم، يصبح الدين عاملًا في إنتاج العداوة بدلًا من أن يكون شأنًا من شؤون الاعتقاد والضمير.


لقد دفعت اليمن ثمنًا باهظًا للصراعات التي امتزجت فيها العقائد بالمطامع السياسية، ولا يزال اليمنيون يتحملون نتائج الانقسامات التي تجاوزت حدود الاختلاف الفكري إلى ساحات الحرب والدمار. وليس المطلوب تحميل مذهب بعينه مسؤولية التاريخ كله، بل مواجهة كل خطاب ديني يُستخدم لتبرير الاستبداد أو العنف أو التمييز، بصرف النظر عن الجهة التي تتبناه.


إن الخروج من هذه الدائرة لا يتحقق بانتصار الزيدية على الشافعية، ولا بانتصار الشافعية على الزيدية، وإنما ببناء دولة مدنية عادلة تفصل بين الحق في الاعتقاد والحق في احتكار السلطة، وتضمن المواطنة المتساوية وحرية الفكر والضمير، وتخضع الجميع لدستور وقانون لا يميزان بين المواطنين بسبب المذهب أو النسب أو المنطقة.


فاليمن أكبر من أن يُختزل في صراع مذهبي، ومستقبله لن يُبنى بتكرار حروب الماضي، بل بتحرير السياسة من احتكار الدين، وإنهاء توظيف العقيدة في الصراع على السلطة، والانتقال إلى دولة المواطنة والقانون والسلام..


أشرف الشريف