الحرية ليست شعاراً يُرفع في المناسبات، ولا كلمة تُزين الخطب.....
بل هي القيمة الإنسانية العليا التي بدونها يفقد الإنسان معناه، وتفقد الحياة قدسيتها.
الإنسان خُلق حراً، والعبودية بكل أشكالها هي القيد الذي يكسر روحه ويصادر كرامته.
وحين يرضى الإنسان بالعبودية....فهو لا يتنازل عن حقه السياسي فحسب، بل يتنازل عن إنسانيته ذاتها.
بهذا المعنى كانت ثورة الرابع عشر من أكتوبر 1963م
إذ إنها لم تكن مجرد معركة لإخراج جندي بريطاني من عدن، بل كانت ثورة الإنسان على القيد...
على فكرة أن يكون الإنسان تابعاً، ورعيةً، ومملوكاً، وغريباً في أرضه.
فحين انطلقت شرارة ردفان.... كان الثوار يدركون أنهم لا يقاتلون جيشاً فقط، بل يقاتلون منطق العبودية نفسه...
منطق يقول إن هناك سيداً يقرر، وعبداً ينفذ ، مستعمراً يملك، وشعباً يُملك.
لقد كشفت ثورة أكتوبر حقيقة خالدة:
إنٌَ الشعوب قد تُرهقها سنوات القهر، لكنها لا تفقد أبداً قدرتها على الانعتاق، لأن نزعة الحرية مزروعة في الفطرة الإنسانية.
وبجهود المخلصين تحقق الاستقلال في 30 نوفمبر 1967م وغادر المحتل...
لكن الدرس الأعمق بقي:
إن خروج المستعمر لا يعني بالضرورة خروج العبودية.
فالعبودية لا ترتدي دائماً زياً عسكرياً أجنبياً...
هي اليوم كل بنية تستبيح إرادة الإنسان،
هي كل سلطة تريد من المواطن أن يكون تابعاً يهتف... لا حراً يفكر ويناقش ويحاسب.
هي كل خطاب يريد تحويل الناس إلى قطيع يبايع، وإلى عبيد للزعيم أو الجماعة أو السلالة.
ما قيمة استقلال الأرض إذا استُعبد الإنسان داخل وطنه؟ ما قيمة العلم الوطني إذا كان المواطن يخاف من قول كلمة الحق؟ وما قيمة التحرر من الأجنبي إذا سُلمت رقاب الناس لطغيان محلي يمارس الوصاية عليهم باسم الدين أو الثورة أو الحماية؟
إن من يمارس القمع، ويمتهن كرامة المواطن، ويساومه على لقمة عيشه مقابل صمته، ويحول الوطن إلى مزرعة خاصة له ولأتباعه....
إنما يعيد إنتاج العبودية التي ثار عليها أجدادنا في أكتوبر...... ولو رفع ألف راية للحرية.
يا أبناء أكتوبر:
إن الشمس التي أشرقت فوق جبال ردفان لم تكن تريد تحرير الأرض فقط...
بل تحرير الإنسان.
فالأرض لا تتحرر إلا بإنسان حر.
احملوا من أكتوبر جوهره الأسمى:
أن تكونوا أحراراً لا عبيداً.
أن ترفضوا كل قيد يذلكم..
أن تقفوا في وجه كل صوت يريدكم تابعين، وكل سلطة تريدكم رعايا.
فالحرية ليست منحة من حاكم، ولا عطية من حزب، ولا هبة من قائد...
الحرية هي أصل الوجود الإنساني، ومن فقدها فقد نفسه.
وأشرقت شمس حرية أكتوبر... لتقول لكل جيل إن العبودية مهما تزينت وتجملت وتذرعت بالشعارات.....
تظل قيداً يجب كسره، وإن الإنسان الحر وحده هو القادر على بناء وطن حر.