حين تتجلى المواقف النبيلة والأصيلة في إعادة صياغة التاريخ ورسم ملامحه من جديد، وتتقاطع الملاحم الوطنية الكبرى في أنصع صورها، يثبت الجنوب – كما كان دوماً على مر التاريخ – قدرته الفائقة على رفض مشاريع الاحتلال، والهيمنة، ومحاولات الاستلباب. إن ما تشهده الساحة اليوم من تلاحم جنوبي أسطوري، وزخم شعبياً وقبلياً وعسكرياً وسياسياً، لم يكن مجرد حدث عابر، بل هو تجسيد حي لأسمى معاني الوفاء والقيم الرفيعة التي يحملها هذا الشعب العريق.
وها نحن اليوم، جنباً إلى جنب مع أشقائنا في قوات التحالف العربي، نخوض معركة العزة والكرامة لدحر جحافل الكهنوت والمد الفارسي في باب المندب، لنشعر ببالغ الفخر والاعتزاز ونحن نجترح المآثر، ونقتلع جذور تلك الشرذمة التي أرادت العبث بأمن المنطقة ومقدراتها.
وما يزيد موقفنا صلابة وثباتاً، هو حلول مناسبة غالية على قلوب كل الأحرار؛ إنها الذكرى الثالثة والستون لثورة الرابع عشر من أكتوبر المجيدة؛ تلك الثورة الخالدة التي سطرها الأجداد بدمائهم الزكية للانعتاق من نير المستعمر. وإن أعظم ما يشرفنا اليوم، هو أن تضحياتنا الجسام تمثل امتداداً طبيعياً لذلك الرصيد النضالي، ووفاءً لوطن حر مستقل، وشعب جبار تواق للحرية يرفض العبودية بكافة أشكالها. هكذا كان شعبنا، وبات، وسيظل وفياً، مقداماً، ومدرسة فريدة في التضحية والفداء.
إن الحراك الوطني الجنوبي اليوم غيره بالأمس؛ فقد أضحى شعبنا أكثر وعياً وإدراكاً لمخاطر المؤامرات والدسائس. وفي هذا السياق، تأتي دعوة رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي لوقف التصعيد ضد قيادة المملكة العربية السعودية، لتؤكد للعالم أجمع أن الجنوب ينطلق من مبادئ أخوية راسخة، ويؤمن بعمق العلاقات الثنائية، وضرورة رص الصفوف، وتصحيح المسارات، والالتفاف حول الهدف الأسمى المتمثل في استئصال الخطر الوجودي الذي يهدد الأمن القومي العربي والإقليمي.
شتان بين نهج الجنوب المتزن، وبين السياسات المريضة للقوى الحاقدة التي تسعى ليلاً ونهاراً لشق الصف، وتفكيك التلاحم العربي، مفسحة المجال لأجندات الأعداء لاختراق القيادة وإضعاف الدور المحوري للتحالف. وعلى مر التاريخ، يظل الفرق شاسعاً بين من يرتدي الأقنعة ويمارس المراوغة السياسية بغية تحقيق مصالح ضيقة على حساب معانات الشعوب، وبين من يثبت على المبدأ، مضحياً بالخاص من أجل العام، ومحافظاً على أصالة موقفه وكرامة وطنه.
لقد برهن التاريخ الناصع أن الجنوب كان وما زال صانعاً للتحول، ورافعة لكل النضالات الوطنية الصادقة، على عكس أولئك الذين يتغنون بالجمهورية نهاراً ويمارسون الإمامية ليلاً، يتذيلون قوائم الانتهازيين، ويتنكرون لعهود الأشقاء والأصدقاء.
ختاماً، ستظل الحقيقة الساطعة التي لا تقبل الشيطنة أو الانتقاص: إن الفرق بين الحق والباطل، هو الفرق ذاته بين من قدم الدماء الطاهرة لتحرير عدن وتأمين حياض الأمة، وبين من كبلوا صنعاء بالقيود ليستعبدوا شعبهم ويقدموه قرباناً لأسيادهم.
`اكتب ابراهيم العطري في 12اكتوبر2026م`