آخر تحديث :الأربعاء-14 أكتوبر 2026-01:40ص

تورصة.. بوابة الضالع الغربية: مقبرة الغزاة من ديفيدسون إلى أوهام الحوثي

الثلاثاء - 13 أكتوبر 2026 - الساعة 09:54 م
فؤاد المقرعي


من أعالي جبال الحيطة الشامخة، المطلة على سهول ومرتفعات منطقة تورصة ببلاد الأحمدي في مديرية الأزارق بمحافظة الضالع، تبدو الجغرافيا كأنها تروي بنفسها ملحمة متصلة الحلقات من الإباء والصمود. هنا، حيث ترسم التضاريس الوعرة سواراً من حديد ونار، لم تكن الأرض يوماً تُطأطئ هاماتها للغزاة، بل كانت دائماً المقبرة التي تُدفن فيها أطماع الإمبراطوريات ومشاريع الهيمنة الاستبدادية.

رصاصة الموت في وجه الإمبراطورية: عام 1948

تعود الذاكرة الوطنية إلى عام 1948، حين ظن المستعمر البريطاني أن بسط نفوذه على الأرض وتحييد مشايخ وأمراء الضالع كفيل بتركيع أبناء الضالع. حينها، نزل قائد الجيش البريطاني المدعو الجنرال ديفيدسون على رأس قوة عسكرية مدججة إلى منطقة تورصة، مستهدفاً كسر إرادة أهلها وإذلالهم، ومستخفاً بهيبة المنطقة بالبحث عن زعمائها الأحرار.

لكن التاريخ كان يكتب فصلاً آخر من الشجاعة المطلقة؛ فحين وصل القائد البريطاني محيطاً نفسه بالغطرسة، تقدّم أمامه البطل الشيخ محمود عواس ليوجه للغازي صفعة مدوية بالكلمات قبل الرصاص: أنا محمد عواس، ماذا تريد أيها الغازي؟ أتيت إلى هذه المنطقة ولن تعود منها حيّاً، بل ستعود منها محمولاً!

وما إن استوعب المترجم كلمات التحدي وشرع في نقلها باللغة الإنجليزية حتى صدحت حنجرة التاريخ برصاصة ثورية حاسمة أطلقها الشهيد محمد عواس، فأرادت ديفيدسون جثة هامدة. لقد كانت تلك الرصاصة صدمة كبرى لم يتوقعها الاحتلال البريطاني، الذي ظن أن جغرافية الضالع قد استسلمت بالكامل بعد إخضاع بقية مشايخ المنطقة. لقد كانت تورصة المشرق الأول لشرارة الغضب الوطني وأول رصاصة في وجه المحتل البريطاني.

امتداد الملحمة: محرقة الحوثي في 2018

وكأن التاريخ العريق يعيد صياغة نفسه بذات الحكاية، التقت أبناء بلاد الأحمدي مركز تورصة أصحاب الوجوه السمراء باختبار جديد في عام 2018، حين واجهت جحافل استعمارية جديدة تتمثل في مليشيات الحوثي الإرهابية، التي توهمت أن بإمكانها ابتلاع البوابة الغربية لمحافظة الضالع.

وفي هذه الجبهة المشتعلة، لم تتكسر أطماع المليشيات فحسب، بل مُرّغت أنوف قياداتهم في التراب. وفي اعترافات تعكس هول الصدمة، أقرت قيادات حوثية لاحقاً قائلة: نحن خسرنا خسائر بشرية في هذه المنطقة لم نكن نتوقعها. ولم يكن ذلك السقوط العسكري بمعزل عن الخيانة؛ إذ تورط بعض المرتزقة والمتحوثين من أبناء منطقة باهر التابعين لمديرية ماوية بمحافظة تعز في جلب المليشيات إلى تخوم تورصة، ليواجهوا التوبيخ المرير من مشرفيهم أنفسهم الذين صرخوا في وجوههم: أنتم من بعتمونا إلى محرقة تورصة! وهناك، على صخرة الصمود الجنوبي، حُطمت أوهام المليشيات تحت أقدام أبطال المقاومة الباسلة.

درع الضالع الغربي.. تحية للأحرار

تظل تورصة راسخة في الذاكرة والوجدان بوصفها البوابة الغربية الحصينة للضالع، والرمز الخالد لعنفوان الأرض التي لا تساوم على حريتها.

تحية إجلال وإكبار لصناع المجد من أبطال المقاومة، وتحية لكل ثائر مرابط روى بدمائه تراب الوطن الطاهر. تحية لشهداء 14 أكتوبر المجيد، وتحية فخر واعتزاز لأحفاد شيخ الشهداء محمد عواس، وأحفاد رمز الثورة والبطولة الشهيد غالب راجح لبوزة.