في لحظة تأمل ارتسم في أفكاري مشهد تعز، ليس كمدينة محاصرة، بل كعقدة جيوبولتيكية معقدة. الفكرة المركزية التي يجب أن ندركها أن فكرة تحرير تعز لم تحن بعد، ليس لعجز في الرجال ولا في السلاح، بل لأن معضلة التأثير الدولي لم تحن ساعتها في رسم المشهد ميدانيا.
ومن هذا المدخل يمكننا تشخيص الواقع، لماذا تعز منطقة رمادية؟
تعز ليست جبهة قتال عادية، هي الفاصل الجيوبولتيكي بين شمالين وجنوبين، بين جبل وساحل، بين قرار داخلي وقرار دولي.
* الجغرافيا السياسية:
تحرير تعز يعني تلقائيا فتح ملف الحديدة والمخا وباب المندب الداخلي الشرقي. المثلث المترابط تعز - الحديدة - باب المندب هو شريان الملاحة العالمي. أي انتصار في تعز بدون ترتيب دولي للحديدة سينهار.
* التوازن المقصود:
تعز تركت عمدا منطقة مواجهة شديدة بين أطراف الصراع. لا الحوثي سمح له بالحسم الكامل ولا الشرعية سمح لها بالحسم الكامل، لأن حسمها يعني تغيير معادلة البحر الأحمر. وهذا القرار ليس يمنيا خالصا، هو قرار إقليمي دولي بامتياز.
في حين إن معضلة الخلاص والتحرير والنصر بلا ضمانة هزيمة مؤجلة.
التحرير كمفهوم عسكري له ركنان: تحرير الأرض وتثبيت النصر.
ما يحدث في تعز أن الركن الأول ممكن ميدانيا، لكن الركن الثاني مستحيل حاليا بدون مشاركة دولية. معضلة الخلاص تكمن في ثلاثة أسئلة بلا إجابة، أولها من يضمن ميناء المخا والحديدة بعد التحرير من تهريب السلاح؟
وثانيها من يمول إعمار تعز ويمنع عودتها لمنطقة نفوذ انتقامية؟
وثالثها من يحمي خطوط الإمداد من صواريخ ومسيرات الحوثي البعيدة؟
بدون إجابة دولية واضحة، أي تحرير سيكون انتصارا موسميا يستهلك الرجال والذخيرة ثم يعود للمربع الأول.
وإلى ذلك فإننا نرى أن الرسالة الاستراتيجية تكمن في أن تعز لن تنتصر إلا بشراكة كبرى.
المشهد سيكون أكثر تعقيدا في هذه الفترة وهذا التعقيد مقصود لإيصال رسالة ثلاثية الأبعاد:
* رسالة محلية: تعز لن تحررها فصائل متفرقة ولا ألوية متنافسة. تحتاج جيشا فيدراليا موحدا بعقيدة تحرير لا بعقيدة غنيمة.
* رسالة إقليمية: تحرير تعز هو تأمين مباشر للعمق السعودي والمصري. صواريخ تعز تهدد الرياض ومسيرات الحديدة تهدد قناة السويس. أمن تعز هو أمن جدة والقاهرة، لذلك لا تحرير بدون شراكة إقليمية واسعة سعودية إماراتية مصرية.
* رسالة دولية: امتداد محيط باب المندب الداخلي الشرقي تعز والحديدة هو جزء من الأمن البحري العالمي. استقراره مصلحة أمريكية بريطانية فرنسية. يجب أن يتحول تحرير تعز من مطلب يمني إلى مطلب دولي لضمان التجارة العالمية.
وإلى ذلك السياق نوجز:
تعز منطقة رمادية شديدة المواجهة، ولن تنتصر دون شراكة إقليمية واسعة ودولية.
التوصية الاستراتيجية للقيادة:
* لا تستعجلوا معركة تعز الكبرى الآن. الاستعجال يحرق الورقة.
* حافظوا على تعز كجبهة استنزاف للحوثي، لا كجبهة حسم.
* ابدأوا الآن بصياغة ملف دولي: وثيقة تأمين باب المندب الشرقي. قدموها للرياض والقاهرة وواشنطن ولندن. اجعلوا العالم يرى أن تحرير تعز هو تحرير لممره.
* حين تكتمل معضلة التأثير الدولي، حين يصبح تحرير تعز مصلحة للجميع، حينها فقط تحن ساعة الخلاص، ويكون الانتصار دائما لا موسميا.
ومن لا يدرك أهمية جيوبولتيك تعز، لا يدرك معضلة حسمها.
تقديرنا للجميع