نمر في اليمن الآن بمنعطف هو الأخطر منذ هدنة 2022. لم تعد الحرب محصورة في خطوط التماس، بل عادت كحرب شاملة بثلاث واجهات متزامنة: عسكرية، وإقليمية، وإنسانية.
في الميدان، تحاول جماعة الحوثي فرض حصار كامل على تعز، ثالث أكبر المدن، بينما تدور معارك أكثر خطورة في الساحل الغربي ومحيط باب المندب. استعادة جزيرة ميون بريم أخيرًا لم تكن لم ترد كتقدم تكتيكي مجرد، بل كانت رسالة بأن معركة الممرات الدولية قد بدأت. أما في الشمال، فلا تزال صنعاء تخضع لسلطة الأمر الواقع، وتتعرض لقصف مكثف ضمن ما يسمى عملية فجر اليمن.
إنسانيًا، الأرقام تتحدث عن نفسها: أكثر من 200 ألف نازح جديد منذ سبتمبر الماضي، و18 مليون يمني على حافة انعدام الأمن الغذائي. هذا ليس لمجرد رقم أممي، هذا هو الوقود الحقيقي للانفجار الداخلي القادم.
أولًا: افهم عدوك.. منظومة لا ميليشيا.
الخطأ الأكبر لصانع القرار هو التعامل مع الحوثي كميليشيا. نحن أمام منظومة حكم متكاملة، يمكن تشريحها بمنهج PMESII-PT:
سياسيًا: هيكل ثيوقراطي مغلق بقيادة عبد الملك الحوثي، بلا شرعية دولية، لكنه مرتبط عضويًا بطهران. هذا الارتباط هو نقطة ضعفه الاستراتيجية.
عسكريًا: تطور من حرب عصابات إلى قوة صاروخية ومسيّرة قادرة على تهديد الملاحة الدولية. لكن قوته ليست في الرجال، بل في المخازن المخبأة في الجبال.
اقتصاديًا: وهنا مربط الفرس وبيت القصيد وضع تحتها خطين، يقوم اقتصاده على جيب المواطن: جبايات، جمارك مزدوجة، سوق سوداء للوقود والاتصالات. لا يدفع رواتب الموظفين منذ سنوات.
اجتماعيًا: أوجد طبقة المشرفين التي أهانت القبيلة اليمنية وكسرت هيبة مشايخ طوق صنعاء. تحالفه القبلي انتهازي وليس عقائديًا.
معلوماتيًا: آلة دعائية ضخمة تقودها قناة المسيرة، مبنية على شعار الصرخة، مع رقابة كاملة وحجب لكل الأصوات المعارضة.
ثانيًا: الأفخاخ الثلاثة التي أسقطت الحوثي.
* فخ التدويل: عندما هدد البحر الأحمر، جلب على نفسه تحالفات دولية وعقوبات خانقة أفقدته أي أمل في شرعية دولية.
* فخ الإدارة: سيطر على صنعاء لكنه فشل في أن يكون دولة. لا كهرباء، لا ماء، لا رواتب.
* فخ التبعية: رهن قرار صنعاء بطهران، ففقد أي مرونة للمناورة مع الداخل اليمني.
ثالثًا: ملحق استخباري مفتوح المصدر - 5 شرايين إذا قطعت انهارت المنظومة.
* شريان الوقود والاتصالات: 80% من تمويل الحرب يأتي من الداخل عبر احتكار الوقود والاتصالات. توحيد الاستيراد عبر عدن أو المكلا هو الضربة الأقوى من أي ضربة جوية.
* شريان التهريب البحري: المنظومة الصاروخية تعتمد على قطع غيار صغيرة تهرب عبر قوارب صيد إلى الحديدة والصليف. تشديد التفتيش البحري يعني استنزاف المخزون خلال أشهر.
* شريان التجنيد العقائدي: الخزان البشري يتم عبر المراكز الصيفية التي تستقطب آلاف الأطفال. توثيق مناهجها أمام المنظمات الدولية يجفف الخزان على المدى المتوسط.
* شريان المشرفين: الشبكة الأمنية لا تدار عبر وزارة، بل عبر المشرفين الذين يمارسون الجباية اليومية. كشف ثرواتهم يخلق شرخًا داخليًا مع القبائل.
* شريان الرمزية: الحوثي يخشى ثورة 26 سبتمبر أكثر من خشيته للصاروخ. قمعه العنيف لأي احتفال بها دليل على أن المعركة الرمزية هي الأهم.
رابعًا: خارطة الطريق لصانع القرار اليمني.
المعركة القادمة لن يحسمها فقط حشد 645 ألف مقاتل موزعين على الجبهات، بل بثلاثة قرارات:
* قرار عسكري: لا تهاجم الجبل، اقطع الشريان. الأولوية هي الساحل الغربي وباب المندب. قطع الإمداد البحري يشل 70% من القدرة الصاروخية.
* قرار اقتصادي: حاربه في الجيب والبداية من إيرادات الاتصالات والإنترنت. توحيد الجمارك وتجفيف السوق السوداء سيجعل المواطن في مناطق الحوثي ينقلب تلقائيًا.
* قرار قبلي: استعد طوق صنعاء. افتح قناة مباشرة مع مشايخ طوق صنعاء كحلفاء تم تهميشهم، لا كأتباع. التمرد القبلي هو السيناريو الأرخص والأسرع.
الخلاصة الاستراتيجية: الحوثي ليس قويًا كما يبدو. قوته الظاهرة تخفي ضعفًا بنيويًا قاتلًا. ضعفه في مينائه وجيب المواطن وكرامة القبيلة. ومن يريد النصر في اليمن، عليه أن يحاربه حيث يتألم، لا حيث يريد هو أن يحارَب.
باحث استراتيجي يمني