آخر تحديث :الأربعاء-14 أكتوبر 2026-01:40ص

في الذكرى الـ63 لتحرير الجنوب.. تضحيات الأمس ومسؤولية الحاضر في ظل التصعيد الحوثي

الثلاثاء - 13 أكتوبر 2026 - الساعة 05:16 م
ريام المرفدي


تحلّ الذكرى الثالثة والستون لتحرير الجنوب، في ظل مرحلة استثنائية تتداخل فيها دلالات التاريخ مع تحديات الحاضر، فيما يقف ابطالنا الجنوبين اليوم في الجبهات، يحملون على عاتقهم مسؤولية الدفاع عن أرضهم وأهلهم، في مواجهة التصعيد الحوثي وما يفرضه من تحديات أمنية وعسكرية.

إن استحضار هذه الذكرى لا ينبغي أن يقتصر على استعادة أحداث الماضي أو الاحتفاء ببطولات الأجيال التي صنعت تاريخها بالتضحيات، بل يجب أن يكون مناسبة للتأمل في واقعنا اليوم، واستلهام الدروس من محطات النضال، وإدراك حجم المسؤولية الملقاة على عاتق الجميع في هذه المرحلة الحساسة.

فالتاريخ الذي نعتز به لم يُكتب بالكلمات، وإنما صنعته مواقف الرجال وتضحياتهم وصمودهم. واليوم، يواصل ابطالنا الجنوبين حضورهم في الجبهات، في ظروف بالغة الصعوبة، بعيدًا عن أسرهم وذويهم، مؤمنين بواجبهم تجاه أرضهم ومجتمعهم. وهؤلاء يستحقون منا جميعًا أن نكون عند مستوى تضحياتهم، وأن ندرك أن المعركة لا تقتصر على الميدان وحده، بل تمتد إلى الوعي المجتمعي، والتماسك الداخلي، والمسؤولية في الخطاب والموقف.

وفي أوقات التصعيد، تصبح وحدة الصف ضرورة لا تحتمل الترف، ويغدو الوعي مسؤولية وطنية لا تقل أهمية عن أي دور آخر.

إن أخطر ما يمكن أن نواجهه في مثل هذه الظروف هو أن ننشغل بخلافاتنا الداخلية، أو نسمح للمشاحنات وتبادل الاتهامات بأن تستنزف طاقاتنا وتشتت جهودنا. فبينما يقف ابطالنا في الجبهات، فإن أقل ما يمكن أن نقدمه لهم هو جبهة داخلية متماسكة، وخطاب إعلامي مسؤول، ومواقف ترفع المعنويات بدلًا من بث الإحباط، وتعزز الثقة بدلًا من إثارة المخاوف والارتباك.

ولا يعني التماسك إلغاء الاختلاف في الرأي، أو مصادرة حق النقد والمساءلة، بل يعني أن نُحسن إدارة اختلافاتنا، وأن نضع المصلحة العامة فوق الحسابات الضيقة، وأن نميّز بين النقد المسؤول الذي يصحح المسار، والخطاب الذي يفتح أبواب الفرقة ويضعف الروح المعنوية في لحظات تتطلب أقصى درجات الانتباه والمسؤولية.


كما أن المسؤولية تجاه المرابطين لا تنتهي عند الإشادة ببطولاتهم أو نشر صورهم، بل تقتضي الاهتمام بأوضاعهم، ومساندة أسرهم، وتقدير تضحيات الجرحى، والوفاء لدماء الشهداء، والعمل على تعزيز الاستقرار والخدمات والحياة الكريمة للمواطنين. فصمود المجتمع في الداخل جزء أساسي من قدرته على تجاوز الأزمات، ولا يمكن فصل المعركة الأمنية عن الحاجة إلى حياة مستقرة ومؤسسات تؤدي واجباتها تجاه الناس.

وفي ظل التصعيد الحوثي، فإن المرحلة تتطلب خطابًا وطنيًا واعيًا، وتكاتفًا مجتمعيًا، وحرصًا على استقاء المعلومات من مصادرها الرسمية، بعيدًا عن الشائعات والتداول غير المسؤول للأحداث. فالكلمة قد ترفع معنويات المقاتلين، وقد تسهم في طمأنة المجتمع، كما قد تؤدي، إذا أُسيء استخدامها، إلى نشر القلق وإرباك الناس.

إن ابطالنا الجنوبين في الجبهات ليسوا وحدهم في مواجهة تحديات الميدان؛ فخلفهم مجتمع بأكمله تقع عليه مسؤولية المساندة والوعي والثبات. ومن هنا، فإن الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية ليس مجرد شعار يُرفع في المناسبات، بل واجب يتطلبه واقع المرحلة، وتفرضه قيمة التضحيات التي يقدمها الأبطال.

وفي هذه الذكرى، نستحضر بكل إجلال من صنعوا محطات النضال، ونترحم على الشهداء، ونحيّي الجرحى والمرابطين، ونؤكد أن الاختلافات مهما اتسعت لا ينبغي أن تتحول إلى سبب لإضعاف المجتمع أو التقليل من تضحيات أبنائه.

رحم الله الشهداء، وشفى الجرحى، وحفظ ابطالنا الجنوبين المرابطين في الجبهات، وردّهم إلى أهلهم سالمين، وحفظ عدن والجنوب وأهلهما من كل سوء.

فالجنوب الذي يستحضر تاريخه اليوم، يحتاج إلى وعي أبنائه بقدر حاجته إلى شجاعتهم؛ وإلى وحدة صفهم بقدر اعتزازه بتضحياتهم. وفي أوقات التحديات، يبقى الوفاء الحقيقي أن نكون سندًا لمن يحمون الأرض، وأن نصون تماسك المجتمع، وأن نضع مصلحة الجنوب وأمن أبنائه فوق كل اعتبار.