كتب/ صدّيق الطيار
لم يكن ناصر سمن، مدير عام مديرية الوضيع بمحافظة أبين، يتلقى خبراً عابراً حين أُبلغ باستشهاد نجله في جبهة باب المندب أثناء مواجهته الروافض أذناب إيران الحوثيين، بل كان يواجه واحدة من أقسى اللحظات التي يمكن أن يعيشها أب. ومع ذلك لم تكن إجابته هي ما يتوقعه المرء في حضرة الفقد، بل جاءت عبارة تختصر ترتيباً مختلفاً للأولويات في قلبه: في الرأس ولا في العقيدة .
سقط نجل سمن شهيداً إثر إصابته بطلق ناري مباشر في الرأس. وحين نُقل الخبر إلى والده، لم يتوقف عند موضع الإصابة بقدر ما استحضر المعنى الذي رأى أن ابنه استُشهد من أجله. كانت إجابته تعبيراً عن قناعة راسخة بأن الإصابة التي تنهي حياة الإنسان ليست أشد وطأة من الانكسار عن المبدأ الذي اختار الدفاع عنه.
في هذه العبارة تتجلى المفارقة الأكثر قسوة في الموقف: الأبوة التي تدفع الإنسان إلى التشبث بحياة ابنه، والعقيدة التي تمنحه القدرة على تقبل رحيله في سبيل ما يؤمن به. فالأب بطبيعته لا يرى في ابنه مجرد فرد من أسرته، بل امتداداً لروحه وأحلامه وتعب سنواته. ولذلك، فإن خسارته ليست حدثاً عابراً يمكن تجاوزه بكلمات المواساة، وإنما فراغ دائم في حياة الأسرة.
لكن ناصر سمن وضع في لحظة تلقي الخبر ما يؤمن به في مقدمة تعبيره عن الفاجعة. لم تكن عبارته نفياً للألم أو استهانة بقيمة الابن، بل إعلاناً عن موقف يرى فيه أن العقيدة تظل المرجعية التي يحتكم إليها الإنسان حتى عندما يكون الثمن فقدان أعز الناس إليه.
وهنا تكمن دلالة القصة، فالتقدم الذي منحته العقيدة على الأبوة في كلمات سمن لا يعني غياب مشاعر الأب، بل يكشف عن قوة القناعة حين تبلغ لحظة الاختبار. فالأب الذي يفقد ابنه لا يتوقف عن كونه أباً، ولا يصبح الفقد أقل قسوة، لكن ما يؤمن به قد يمنحه إطاراً يفهم من خلاله التضحية، ويواجه به حقيقة الرحيل.
ومن أبين إلى جبهة باب المندب، تختصر هذه الواقعة حكاية أسرة يمنية دفعت ثمن الحرب، وأب اختار أن يجعل من موقفه رسالة عن الثبات على المبدأ.
في الرأس ولا في العقيدة لم تكن مجرد إجابة عن موضع الرصاصة، بل تعبيراً عن أولوية أراد ناصر سمن تأكيدها: أن يظل المبدأ فوق ألم الفقد، حتى حين يكون الفقد ابناً لا يعوضه أحد.
