آخر تحديث :الأربعاء-14 أكتوبر 2026-02:19ص

مأرب.. لماذا مازالت خارج إيقاع المعركة؟

السبت - 10 أكتوبر 2026 - الساعة 11:50 ص
صديق الطيار


كان اليمنيون يأملون أن تكون جبهات مأرب في صدارة التحول العسكري الذي تشهده البلاد، وأن تنطلق منها معركة حقيقية تواكب التطورات في بقية الجبهات، وتضع مليشيا الحوثي الإيرانية أمام ضغط عسكري متزامن يربك حساباتها ويغير موازين المواجهة. لكن ما يجري حتى الآن لا يرقى إلى مستوى تلك الآمال، ويطرح أسئلة مشروعة حول أسباب تأخر التحرك، ومصير الوعود التي طال انتظار ترجمتها إلى واقع ميداني.

المشكلة ليست في مأرب التي صمدت، بل في الفجوة بين ما تملكه من إمكانات وما يظهر على الأرض من أداء.

فمأرب ليست جبهة هامشية، ولا موقعاً عسكرياً يمكن اختزال دوره في الدفاع وصد الهجمات، بل واحدة من أهم ركائز المواجهة مع الحوثيين، وقد راكمت خلال سنوات الحرب خبرة قتالية كبيرة، وقدمت تضحيات جسيمة، وتمتلك من الرجال والإمكانات ما يؤهلها لأداء دور أكثر تأثيراً في مسار المعركة.

ومن هنا، فإن استمرار محدودية التحرك العسكري، بالتزامن مع تصاعد المواجهات في جبهات أخرى، يثير تساؤلات لا يمكن تجاهلها: لماذا لا تتحول هذه الإمكانات إلى ضغط ميداني يتناسب مع أهمية مأرب؟ وأين الخطط التي يفترض أن تستثمر اللحظة الراهنة؟ ولماذا يظل الفارق كبيراً بين سقف التوقعات وحجم التحرك الفعلي؟

لم يعد كافياً أن تُستحضر مكانة مأرب في الخطابات والتصريحات، أو أن يُستدعى تاريخ صمودها كلما احتاج المشهد إلى استعادة المعنويات. فالمكانة العسكرية تُصان بالفعل، والتضحيات تكتسب معناها الاستراتيجي حين تتحول إلى نتائج، والوعود تفقد قيمتها عندما تتكرر من دون أن يرى الناس ما يؤكدها على الأرض.

والأهم أن النقد هنا لا يستهدف المقاتلين الذين يرابطون في مواقعهم، ولا يقلل من شجاعتهم أو تضحياتهم، فهؤلاء يستحقون التقدير والإنصاف. إنما يتجه العتاب إلى القيادات التي تملك القرار العسكري، وتتحمل مسؤولية التخطيط وتحديد الأولويات وتوفير متطلبات التحرك. فلا يجوز أن يتحمل المقاتلون أعباء المواجهة، بينما تبقى الأسئلة معلقة بشأن مستوى القرار الذي يفترض أن يقود جهودهم ويوظف قدراتهم.

لا أحد يطالب بمغامرات عسكرية غير محسوبة، ولا يتجاهل تعقيدات الميدان، لكن ثمة فرقاً بين الحذر العسكري المشروع وبين استمرار حالة الانتظار في لحظة تتطلب المبادرة والاستعداد والوضوح. فإدارة المعركة لا تُقاس بعدد التصريحات، بل بقدرة القيادة على تحويل الإمكانات المتاحة إلى خطوات مدروسة ونتائج ملموسة.

لقد دفعت مأرب ثمناً باهظاً، وصمد أبناؤها في ظروف قاسية، ومن حقهم أن يسألوا عن الدور المنتظر من جبهتهم في هذه المرحلة. كما أن من حق اليمنيين أن يعرفوا لماذا لا تزال التطلعات أكبر من التحركات، ولماذا تتكرر الوعود بينما ينتظر الميدان ترجمتها.

مأرب لا تحتاج إلى من يذكرها بتاريخها، بل إلى قيادة تترجم هذا التاريخ إلى فعل. فالعتب ليس على من يقاتل، وإنما على من يملك القرار، وليس انتقاصاً من تضحيات الأبطال، بل مطالبة بألا تبقى تضحياتهم معلقة على انتظار لا نهاية له.